خاطرة

المجنون الجميل… حين انتصر الفن على الزمن، وعاد بليغ حمدي ليعزف في الذاكرة

رانية مرجية 00:01 02/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

ثمة فنانون لا تنتهي حياتهم برحيلهم، لأنهم لم يعيشوا في زمنهم وحده، بل سكنوا الذاكرة الجمعية لشعوب بأكملها. وحين يُذكر اسم بليغ حمدي، لا نستحضر ملحنًا كبيرًا فحسب، بل نستحضر مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية العربية؛ مرحلة كان فيها اللحن حدثًا ثقافيًا، وكانت الأغنية قادرة على أن تصنع وجدان أمة، وأن تواسيها، وتفرحها، وتروي حكاياتها.

لهذا، فإن تقديم عرض مسرحي غنائي عن بليغ حمدي ليس استعادة لسيرة رجل، بل هو محاولة شاقة لاستعادة زمن كامل، بكل ما حمله من جمال، وشغف، وجرأة، وانكسارات.

على خشبة قصر الثقافة في الرملة، لم يقدّم عرض «المجنون الجميل» حكاية تقليدية عن موسيقار رحل، بل أعاد إنتاج روحه. لم يكن بليغ حاضرًا في شخصية واحدة، بل كان موزعًا بين الموسيقى، والكلمة، والصمت، وبين عيون الجمهور الذي بدا وكأنه يستعيد جزءًا من حياته الشخصية مع كل لحن.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن المخرج هشام سليمان أدرك أن العباقرة لا يُختصرون في التسلسل الزمني لحياتهم. فابتعد عن السيرة الوثائقية، واختار أن يقترب من الإنسان الذي عاش الفن حدّ الاحتراق، ومن الملحن الذي لم يكن يبحث عن النجاح، بقدر ما كان يبحث عن الدهشة.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

عنوان «المجنون الجميل» ليس وصفًا لشخصية بليغ بقدر ما هو تعريف لحالة الإبداع نفسها. فالعبقرية، في جوهرها، نوع من الجنون الجميل؛ ذلك الجنون الذي يجعل صاحبه يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع موسيقى لا يسمعها سواه، ثم يمنحها للعالم.

لقد فهم العرض أن بليغ لا يُروى بالحوار، بل يُروى بالموسيقى. لذلك لم تكن الأغنيات فواصل بين المشاهد، وإنما كانت النص الحقيقي للمسرحية. كل لحن كان يفتح بابًا جديدًا في شخصية الرجل، وكل أغنية كانت تكشف طبقة أخرى من روحه، حتى بدا أن الموسيقى هي الراوي الحقيقي للأحداث.

في هذا السياق، جاء الأداء الغنائي مدروسًا بعناية، لا بوصفه استعراضًا للأصوات، بل قراءة جديدة لإرث موسيقي يكاد يلامس المقدس في الذاكرة العربية.

ساندرا حاج حملت على كتفيها إرثًا بالغ الثقل، حين غنت لأيقونتين صنعتا مع بليغ حمدي جزءًا من تاريخ الغناء العربي: أم كلثوم ووردة.

ولأن الاقتراب من هذين الصوتين مغامرة محفوفة بالمقارنة، اختارت ساندرا الطريق الأصعب؛ لم تقلد، ولم تستعرض، بل أنصتت إلى روح الأغنية. أدّت أم كلثوم بوقارها، وأعادت إلى أغنيات وردة دفئها الإنساني، محافظة على شخصيتها الفنية، لتثبت أن احترام التراث لا يعني نسخه، بل إعادة اكتشافه.

أما يعقوب شاهين، فقد حمل إرث عبد الحليم حافظ، الشريك الفني الأقرب إلى بليغ حمدي. لم يسعَ إلى استحضار عبد الحليم بصوته، بل باستحضار صدقه الإنساني، ذلك الصدق الذي جعل أغنيات الحب عنده تبدو اعترافات شخصية أكثر منها أعمالًا فنية.

غنّى يعقوب بإحساس يقترب من روح عبد الحليم دون أن يذوب فيها، فبدت الأغنيات وكأنها تستعيد زمنها، لكنها تتنفس بروح جديدة.

وهكذا، أعاد العرض تشكيل مثلث بليغ حمدي الفني؛ أم كلثوم، ووردة، وعبد الحليم، ليس بوصفهم أسماءً كبيرة، بل باعتبارهم الأجنحة الثلاثة التي حلق بها مشروعه الموسيقي، والذي نقل الأغنية العربية من الطرب التقليدي إلى التعبير الإنساني العميق.

وكان للفرقة الموسيقية، بقيادة أنطونيو شقور، دور يتجاوز المرافقة. فقد استعادت الموسيقى هيبتها في زمن أصبحت فيه الآلات الحية استثناءً. عزفت الفرقة بروح تعرف أن اللحن ليس مجرد نغمات، بل ذاكرة، وأن كل جملة موسيقية تحمل أثر أصابع بليغ التي ما زالت ترسم الدهشة بعد عقود من غيابه.

أما الأداء التمثيلي، فجاء بعيدًا عن المبالغة، محاولًا أن يترك للموسيقى مساحة التنفس، لأن العرض كان يدرك أن بليغ لا يحتاج إلى كثير من الكلام؛ فحياته مكتوبة أصلًا على المدرج الموسيقي.

لكن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في استعادة الماضي، بل في مساءلة الحاضر.

لقد جعلنا العرض نسأل أنفسنا: كيف وصلنا إلى زمن أصبحت فيه الأغنية تُستهلك بسرعة، بعدما كانت تُعاش لعقود؟ كيف تحوّل الفن من مشروع ثقافي يصنع الذائقة، إلى منتج يخضع لقوانين السوق؟

ربما لهذا السبب لم يكن الجمهور مجرد متفرج. كان شريكًا في العرض. كانت الوجوه تغني بصمت، والعيون تسبق الأصوات إلى الدموع. ففي كل مقعد جلس إنسان يحمل ذاكرة خاصة مع أغنية من ألحان بليغ؛ ذكرى حب، أو فراق، أو بيت قديم، أو أم كانت تدندن وهي ترتب تفاصيل الحياة.

وهنا، تحديدًا، انتصر العرض.

لم ينتصر لأنه أعاد إنتاج أغنيات خالدة، بل لأنه أعاد إلينا القدرة على الإصغاء. ففي زمن يزداد فيه الضجيج، يصبح الإصغاء فعلًا ثقافيًا، بل فعل مقاومة.

ويُحسب لهذا الحدث الثقافي أنه لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بمبادرة من عضو بلدية الرملة، المحامي موسى سابا، الذي آمن بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، وإنما ركيزة من ركائز الحياة المدنية. ففي مدينة تتعدد فيها الهويات والروايات، يصبح المسرح مساحة لقاء، وتصبح الموسيقى لغة تتجاوز الحدود، وتعيد للناس إيمانهم بأن الجمال لا يزال قادرًا على جمعهم.

إن المبادرات الثقافية من هذا النوع لا تُقاس بعدد الحضور، بل بالأثر الذي تتركه. وحين يُفتح المسرح أمام أعمال تستحضر رموز الإبداع العربي، فإن الرسالة تتجاوز حدود الأمسية الفنية؛ إنها إعلان بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن المدن التي تستثمر في الفن، تستثمر في إنسانها أولًا.

في نهاية العرض، لم أشعر أنني أودع بليغ حمدي، بل شعرت أنه غادر الخشبة ليجلس بين الجمهور، يبتسم لذلك التصفيق الطويل، ويهمس كما لو أنه لم يرحل يومًا.

ربما لهذا لا أستطيع أن أعتبر «المجنون الجميل» مجرد مسرحية غنائية. إنه تذكير مؤلم وجميل في آن، بأن الفن الحقيقي لا يموت، لأنه لا يعيش في الكتب ولا في الأرشيف، بل في نبض الناس.

وهذا هو الانتصار الأكبر لبليغ حمدي… أن الزمن مرّ، وتغيّرت الأصوات والوجوه، وبقيت ألحانه قادرة على أن تهزم النسيان، وأن تجعلنا، ولو لساعتين، نؤمن من جديد بأن الجمال هو آخر ما يجب أن نخسره

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio