مقالات

اتفاق الإطار: بين التهدئة المؤقتة وصراع النفوذ الإقليمي

خالد خليفة 15:52 01/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

اتفاق الإطار: بين التهدئة المؤقتة وصراع النفوذ الإقليمي

بقلم: خالد خليفة

أثار توقيع اتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية أمريكية نقاشًا وجدلا واسعًا حول الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب اللبناني والحزام الأمني على الحدود الإسرائيلية، وحول ما إذا كان هذا الاتفاق يمكن أن يشكل بداية لمسار سياسي يؤدي إلى تهدئة طويلة الأمد، أم أنه مجرد مرحلة جديدة من إدارة الصراع دون الوصول إلى حل جذري. فالخطوة التي جرت بين الطرفين لا تبدو كاتفاق سلام شامل، بل أقرب إلى تفاهم أمني مؤقت بين الحكومة اللبنانية والإسرائيلية برعاية أمريكية في واشنطن يحاول معالجة جزء من الأزمة المتراكمة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

ويقوم الاتفاق على مبدأ انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض المناطق في جنوب لبنان، خصوصًا المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، مقابل ترتيبات أمنية مرتبطة بعدم تواجد حزب الله وسلاحه في هذه المناطق الحدودية. إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في اختلاف تفسير كل طرف للاتفاق؛ فبينما ترى الحكومة اللبنانية أن الأولوية هي استعادة سيادتها على أراضيها وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي، فإن إسرائيل تركز على تواجدها العسكري في هذه المنطقة والاشراف عليه.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ومن هنا يظهر الدور المعقد لملف حزب الله، فهو الطرف الأكثر تأثيرًا في المعادلة اللبنانية الجنوبية. فالحزب يعتبر وجوده تواجدا عضوي في الجنوب اللبناني نظرا لان غالبية السكان في الجنوب هم من الشيعة اللبنانيين، ولذلك فإنه يرفض أي صيغة يرى فيها تنازلًا عن قدرته العسكرية أو إنهاء دوره قبل حل القضايا الأساسية المتعلقة بالحدود والأمن. وفي المقابل، تطالب إسرائيل بإنهاء دوره وقدرة حزب الله على تهديدها، وتعتبر أن بقاء سلاحه قرب الحدود يمثل خطرًا مستمرًا.

وتجعل هذه النقطة من تنفيذ الاتفاق أمرًا بالغ الصعوبة، لذلك فإن أي خطوة تتعلق بسلاح حزب الله قد تتحول إلى أزمة داخلية لبنانية، خصوصًا إذا اعتبر جزء من اللبنانيين أن الاتفاق يفرض التزامات تخدم طرفًا خارجيًا على حساب التوازنات الداخلية.

وأما إسرائيل، فإن حساباتها تبدو أكثر تعقيدًا. فهي تعلن رغبتها في تحقيق أمن حدودها الشمالية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر وكأنها خرجت من الجنوب اللبناني مهزومة نتيجة لحرب المسيرات دون تحقيق أهدافها. ولهذا فإن هناك مخاوف من أن تسعى إسرائيل إلى إطالة فترة التواجد أو الإبقاء على مواقع معينة تحت مبررات أمنية، وتحويل المنطقة الحدودية إلى منطقة عازلة تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية تمنع عودة حزب الله وحتى قوات الجيش اللبناني الى مناطق الجنوب اللبناني وقد قالها بنيامين نتانياهو بصراحة وعلى العلن واثناء زيارته الى العمق اللبناني في ال 30 من حزيران هو ووزير دفاعه وقائد الأركان بان اسرائيل تدفع الى البقاء مدة طويلة في الجنوب اللبناني وكان ذلك مباشرة بعد توقيع مذكرة الإطار مع الحكومة اللبنانية.

وقد شهد الجنوب اللبناني خلال العقود الماضية مراحل طويلة من الصراع. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحتى الانسحاب عام 2000، بقيت المنطقة ساحة مواجهة مفتوحة. ورغم انسحاب الجيش الإسرائيلي المفاجئ عام 2000، لم تنتهِ التوترات، بل استمرت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله بأشكال مختلفة، ما جعل قضية الجنوب مرتبطة دائمًا بالصراع الإقليمي الأوسع.

ولا يمكن فصل الأزمة اللبنانية عن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فإيران تعتبر حزب الله حليفًا أساسيًا لها في المنطقة، وأي تفاهم بين واشنطن وطهران يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على الساحة اللبنانية. فإذا حدث تفاهم واسع بين الطرفين حول ملفات المنطقة، فقد يؤدي ذلك إلى تخفيف التصعيد وفتح المجال أمام ترتيبات جديدة في لبنان وغزة وساحات أخرى. أما استمرار الخلاف، فقد يجعل الجبهات المختلفة عرضة لمزيد من التوتر.

ولهذا فإن مستقبل اتفاق الإطار يرتبط بدرجة كبيرة بمصير التفاهمات الأمريكية الإيرانية. فإيران ترى أن أي ترتيبات إقليمية يجب أن تشمل مبدأ التعامل مع جميع الجبهات باعتبارها مترابطة، بينما تسعى إسرائيل إلى فصل كل جبهة عن الأخرى والتعامل معها بشكل منفصل. ان هذا الاختلاف في الرؤية قد يكون أحد الأسباب الرئيسية التي تحدد نجاح الاتفاق أو فشله.

وفي حال استمرت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، فإن ذلك قد يضع الاتفاق أمام اختبار صعب. فإسرائيل قد تجد نفسها مضطرة لمراجعة حساباتها بسبب استمرار الخسائر والضغوط الداخلية، بينما قد يرى حزب الله أن استمرار الوجود الإسرائيلي مبررا لمواصلة المقاومة. وفي هذه الحالة قد تتحول الاتفاقية من أداة للتهدئة إلى مجرد مرحلة مؤقتة قبل عودة التصعيد.

أما إذا حدث انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب اللبناني، فقد يشكل ذلك فرصة لبدء مرحلة جديدة، لكن ذلك لن يكون كافيًا وحده لإنهاء الأزمة. فهناك ملفات أخرى تحتاج إلى معالجة، مثل مستقبل سلاح حزب الله، وضمانات الأمن على الحدود، والعلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة، إضافة إلى ارتباط لبنان بالصراعات الإقليمية الكبرى.

وفي النهاية، يبدو أن اتفاق الإطار ليس نهاية للصراع اللبناني الإسرائيلي، بل محاولة لفتح مسار سياسي وسط أزمة إقليمية معقدة. ويعتمد نجاحه على قدرة الأطراف على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التفاهم، وعلى وجود تفاهم أوسع بين القوى الدولية والإقليمية. فإذا نجحت التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، فقد نشهد تغيرًا في شكل الصراعات بالمنطقة، أما إذا بقي الصراع مفتوحًا، فإن الجنوب اللبناني سيظل أحد أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط.

إن مستقبل الاتفاق لن تحدده الأوراق التي وُقعت في واشنطن فقط، بل ما سيحدث على الأرض: هل تنسحب إسرائيل فعلًا؟ هل يتم الوصول إلى صيغة مقبولة حول دور حزب الله؟ وهل تستطيع الحكومة اللبنانية الحفاظ على توازنها الداخلي؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان اتفاق الإطار بداية لحل طويل الأمد أم مجرد فصل جديد من فصول الأزمة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio