مع قدوم فصل الصيف، ومع اشتداد حرارة الشمس، يظهر المخبّأ ويبرز المستور، وتبدأ الشهوات تثور وتفور، مشاهد لا ترحم، وملابس لا تخدِم، أفراح بلا انضباط تعمّق الأزمة، وحفلات لا ترقب فينا إلّا ولا ذمّة .. وعندها ينعقد إجماع شباب الأمة: أن حمل الأحجار أيسر من غض الأبصار، واجتماع النقيضين أقرب من إغلاق العينين!
ألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال له ** إياك إياك أن تبتلّ بالماء!
إنه أسلوب الشيطان المميت، وسلاحه الأخير. قال سعيد بن المسيب رحمه الله: (ما يئس الشيطان من ابن آدم قطُّ، إلا أتاه من قبل النساء). وأصدق من ذلك قول النبي ﷺ: "ما تَرَكتُ بَعدي فِتنةً أضَرَّ على الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ".
فالرجل يحب أن يَرَى -هكذا خلقه الله- وامتحانه في غضّ البصر .. كما أن المرأة تحبّ أن تُرَى! وامتحانها في الاحتشام والستر!! والله سبحانه يخاطب الفريقين جميعًا فيقول: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26]، هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف تنبض بالحكمة لمن تأملها وتدبرها.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });{يا بني آدم}
يلاحظ أن النداء الرباني في هذه الآية تضمن ذكر آدم عليه السلام، فلم يقل ربنا سبحانه (يا أيها الناس) أو (يا أيها البشر)، ولكنه قال: {يا بني آدم} وهذه ليست مصادفة، ولكنه تذكير بما حصل مع أبينا آدم عليه السلام، وتحذير من الوقوع في مثل ما وقع فيه، وكأنه سبحانه يقول لنا: {يا بني آدم [الذي نجح الشيطان بكشف عورته في الجنة] قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم}. يقول أبو السعود العمادي في تفسيره: "{يا بني آدم} خطاب للناس كافة، وإيرادهم بهذا العنوان مما لا يخفى سره".
{قد أنزلنا عليكم لباسًا}
يُظهِر هذا الجزءُ من الآية منّة الله على عباده بنعمة اللباس، حيث عبّرت الآية عن خلق اللباس بجملة {أنزلنا عليكم}، بالإضافة إلى معنى آخر تحمله دلالة الإنزال أشار إليها الإمام الفخر الرازي في تفسيره فقال: "فإن قيل: ما معنى إنزال اللباس؟ قلنا: إنه تعالى أنزل المطر، وبالمطر تتكون الأشياء التي منها يحصل اللباس، فصار كأنه تعالى أنزل اللباس". يقصد رحمه الله أن جميع ما يلبسه الإنسان يرجع في أصل وجوده إلى المطر النازل من السماء، فالقطن نبات يفتقر في نموه إلى الماء، وصوف الحيوان وريش الطائر كذلك .. لأن هذه أمور لا تكون إلا بحياة الدواب التي تفتقر هي بدورها إلى الماء.
{يواري سوءاتكم}
سُمّيت عورة الإنسان (سَوأة) لأنه يسوء الإنسانَ أن تُرى منه، وهذا أمر من فطرة الإنسان وجبلته. وهذه الكلمة من كتاب الله، وهذه السمة في عباد الله محارَبَةٌ مستهدَفَة.
فالجهود اليوم لا تكلّ، والمساعي لا تتوقف، من قبل أبالسة البشر عن نزع صفة (السَّوأة) عن هذه العورات، فيريدون أن يقنعوا الناس أنها ليست (سيئة) ولكنها (حسنة) جزء كسائر أجزاء الجسد، لا يختلف عن اليد والعين والأنف، فلا حرج في إظهارها، ولا ضرر في إبرازها، وبالتالي لا داعي إلى الانقباض عند كشفها، ولا مبرّر للخجل عند رؤيتها!!
ومن الجدير بالذكر أن الإنسان بعد الموت يُصبح عورةّ كلّه، لتغيّر شكله وتحلل جسده، فيسوؤه أن يُرَى أيُّ جزء منه، مصداق ذلك في قصة ابني آدم، قال تعالى: {فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} [المائدة: 31]. والمعنى: جُثة أخيه. فأطلق لفظ سوأة على الجسد كاملًا -والله أعلم-.
أنواع اللباس ثلاثة
ذكرت الآية الكريمة ثلاثة أنواع من اللباس، وهي: أولًا: لباس الضرورة (لستر العورة)، وثانيًا: لباس الزينة (للتجمّل والتأنّق)، قال الزمخشري: "أي: أنزلنا عليكم لباسين؛ لباسًا يواري سوءاتكم، ولباسًا يزينكم". وثالثًا: لباس التقوى (لصلاح القلب والروح).
ولا يخفى على المتأمّل أن أهم لباسين هما الأول: (لباس الضرورة)، لا سيما للنساء لستر أجسادهن. والثاني: (لباس التقوى)، لا سيما للرجال لغض أبصارهم. وهما مع كل أسف أقل ما يلبسه الناس اليوم، مع الاهتمام البالغ بالأقل أهمية وهو (لباس الزينة)، قال الإمام الشافعي رحمه الله:
عَلَيَّ ثِيابٌ لَو تُباعُ جَميعُها ** بِفَلسٍ لَكانَ الفَلسُ مِنهُنَّ أَكثَرا
وفيهِنَّ نَفسٌ لَو تُقاسُ بِبَعضِها ** نُفوسُ الوَرى كانَت أَجَلَّ وَأَكبَرا
وما ضَرَّ نَصلَ السَيفِ إِخلاقُ غِمدِهِ ** إِذا كانَ عَضبًا حَيثُ وَجَّهتَهُ فَرى
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio