ليس من الصعب على الإنسان أن يرفع صوته أو أن يطلق الاتهامات والعبارات الجارحة بحق مخالفيه، لكنّ الصعب حقًا هو أن يقدّم فكرة متماسكة، أو مشروعًا قادرًا على الإقناع، أو حجّة تصمد أمام النقد والاختبار. ولذلك، كثيرًا ما تكون الشتيمة مؤشرًا على أزمة في الخطاب، أكثر من كونها دليلًا على قوة الموقف أو صلابة الحجة.
فالمشاريع السياسية والفكرية والدعوية لا تُبنى على السباب والتجريح، وإنما تقوم على وضوح الرؤية، وسلامة المنهج، والقدرة على مخاطبة العقول وكسب ثقة الناس.
أما حين يصبح الشتم لغةً متداولة، ويتحول النيل من الأشخاص إلى وسيلة رئيسية في إدارة الخلاف، فإنّ ذلك يكشف انتقال النقاش من ميدان الأفكار إلى ميدان الانفعالات، ومن ساحة البرهان إلى ساحة الخصومة الشخصية.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وغالبًا ما يصاحب هذا النوع من الخطاب ضعف في تقبّل النقد والمراجعة، إذ إنّ من اعتاد مواجهة الأفكار بالتجريح قد يجد صعوبة في التعامل مع الاعتراضات بالحجة والبيان. فالخطاب الواثق من نفسه لا يخشى النقد، بل يعدّه فرصة للتصحيح والتطوير، بينما يلجأ الخطاب المرتبك إلى رفع مستوى الخصومة كلما عجز عن تقديم جواب مقنع.
كما أن الأخلاق ليست عنصرًا ثانويًا يمكن إضافته إلى أي مشروع بعد اكتماله، بل هي جزء من جوهره ومصدر أساسي لمصداقيته.
فالناس قد تختلف في تقييم الأفكار والمواقف، لكنها تدرك الفرق بين من يحاور بأدب ويحتج بمنطق، وبين من يعتمد التشهير والإساءة وسيلة للتأثير.
وفي كثير من الأحيان، يكون الإفراط في الشتم علامة على العجز عن مواجهة فكرة منافِسة استطاعت أن تجد لها مكانًا في عقول الناس وقلوبهم.
فعندما تعجز الحجة عن إسقاط الفكرة، يحاول البعض إسقاط أصحابها، وعندما يصعب الرد على المشروع نفسه، يجري الانشغال بتشويه القائمين عليه.
غير أن هذه الأساليب قد تصنع ضجيجًا مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تنجح في هزيمة فكرة تملك مقومات الإقناع والاستمرار.
ولذلك جاء التوجيه القرآني رافضًا لمنطق السباب حتى في أشدّ مواطن الخلاف، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فالقرآن لم يكتفِ ببيان خطأ الباطل، بل وضع ضوابط أخلاقية لكيفية التعامل معه، تأكيدًا على أن قوة الفكرة لا تنفصل عن أخلاق عرضها والدفاع عنها.
فالقرآن لم ينهَ عن سبّ الأصنام لأنها تستحق الاحترام، بل لأن هذا الأسلوب لا يحقق الغاية المرجوّة، بل قد يؤدي إلى مفسدة أكبر تتمثل في سبّ الله تعالى. وفي ذلك درسٌ مهم: ليست العبرة بحدّة الخطاب، بل بفاعلية النتائج.
فكما أن شتم الأصنام لا يهدم الشرك، فإن شتم الفاشية أو العنصرية لا يوقفها بالضرورة؛ وإنما الذي يحد من خطرها هو العمل الجاد لإضعاف نفوذها وإقصائها عن التأثير.
فالمشاريع تُواجَه بالعمل والإنجاز، لا بالشتائم والضجيج.
وجاءت السنة النبوية مؤكدة هذا المعنى، فقال النبي ﷺ: «لا يسبَّنَّ الرجلُ والديه»، فلما تعجب الصحابة من ذلك بيّن أن الإنسان قد يكون سببًا في وقوع السب على والديه حين يبدأ هو بسبّ الآخرين. وفي هذا توجيه بليغ إلى أن الكلمة مسؤولية، وأن السباب لا يفسد العلاقات فحسب، بل يفتح أبوابًا من العداوة والشر لا تُحمد عواقبها.
إن التاريخ لا يحفظ الشتائم، بل يحفظ الأفكار التي صنعت أثرًا وغيرت واقعًا. والمشاريع التي تبقى ليست تلك التي ارتفع ضجيجها، وإنما تلك التي امتلكت حجة واضحة، ورؤية ناضجة، وأخلاقًا راقية.
فالحجة تبني العقول، والأخلاق تكسب القلوب، أما الشتيمة فلا تبني إلا جدارًا من الضجيج سرعان ما يتهاوى أمام أول اختبار جاد.
الشيخ صفوت فريج
رئيس الحركة الإسلامية
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio