مقالات

الحزب الشيوعي: أبو فكرة الاندماج في الدولة

ساهر غزاوي  23:14 25/06 |
حمَل تطبيق كل العرب

نكمل حديثنا عن مرحلة ما قبل عام 1967 (عهد الحكم العسكري والمواطنة المشروطة). ففي المقال السابق تناولنا خطاب القوائم العربية المرتبطة بحزب "مباي" الحاكم، أو ما عُرف بـ"عرب الائتلاف"، الذين تمحور خطابهم حول المطالب الخدمية والمعيشية ضمن سقف الولاء للدولة والتعاون مع مؤسساتها. أما التيار الثاني الذي برز في تلك المرحلة فتمثل في الحزب الشيوعي، الذي طرح نفسه باعتباره الصوت المعارض للحكم العسكري ولسياسات التمييز ومصادرة الأراضي.

غير أن فهم خطاب الحزب الشيوعي يقتضي التوقف أولًا عند خلفيته الفكرية والسياسية. فالحزب لم ينطلق من مرجعية قومية فلسطينية، بل من رؤية ماركسية أممية جعلت الصراع الطبقي إطارها التفسيري الأساسي، وتأثرت بصورة مباشرة بمواقف الاتحاد السوفييتي، بما في ذلك تأييده لقرار تقسيم فلسطين عام 1947. وقد وضع ذلك الحزب في موقع مختلف عن غالبية الحركة الوطنية الفلسطينية التي رفضت التقسيم وعدّت قيام إسرائيل مشروعًا استعماريًا إحلاليًا.

ولا أريد هنا التوسع في الوقائع التاريخية المتعلقة بدور الحزب الشيوعي في النكبة وقيام إسرائيل، وهو موضوع أفرد له الباحث محمود محارب دراسة موسعة في كتابه "الحزب الشيوعي الإسرائيلي والنكبة: الموقف والدور". ويكفي الإشارة إلى أن وثائق الحزب تُظهر تأييده لقرار التقسيم ودعمه السياسي والإعلامي لإقامة الدولة اليهودية، كما تكشف عن مشاركة عدد من الشيوعيين اليهود في الأطر العسكرية الصهيونية خلال حرب 1948، في انسجام مع الموقف السوفييتي آنذاك. كما شهدت الحركة الشيوعية انقسامات عربية ويهودية حول كيفية التعامل مع تلك التطورات، قبل أن ينتهي الأمر باندماج الحزب الشيوعي الفلسطيني وعصبة التحرر الوطني العربية في إطار الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي)، الذي أصبح الإطار السياسي الأبرز الذي جمع العرب واليهود داخل الدولة.

وانعكست هذه الخلفية على ممارسته السياسية وخطابه اللاحق داخل الكنيست، إذ ركز على قضايا المساواة المدنية والحقوق الاجتماعية، وكان يُنظر إليه، ظاهريًا على الأقل، باعتباره الحزب الأكثر معارضة للحكم العسكري المفروض على العرب والأكثر دفاعًا عن حقوقهم داخل الكنيست. وقد تجلى ذلك في مواقف شخصيات بارزة مثل توفيق طوبي، الذي لعب دورًا في كشف مجزرة كفر قاسم عام 1956 وكسر التعتيم المفروض عليها، وكذلك إميل حبيبي الذي عارض احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية عام 1967 ودعا إلى الانسحاب منها.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

غير أن هذه المواقف كانت تنطلق من رؤية سياسية تقبل بشرعية الدولة التي قامت عام 1948 وتعمل داخل مؤسساتها. ولذلك انصب نقد الحزب على سياسات الدولة وممارساتها أكثر من انصبابه على الأسس التي قامت عليها الدولة نفسها، وهو ما جعل خطابه، رغم طابعه المعارض، يتحرك ضمن الإطار السياسي القائم لا خارجه، بل وينظر إلى نفسه باعتباره شريكًا فيه وأحد مكوناته السياسية الأساسية. ومن هنا ظل الحزب يرى في العمل السياسي العربي اليهودي المشترك داخل مؤسسات الدولة الطريق الأنسب لتحقيق أهدافه.

وعودة إلى الخطاب المبني على الحقوق المدنية، فإن الحزب الشيوعي كان أول من صاغ هذا التوجه بصورة منظمة داخل المجتمع العربي في إسرائيل، بل يمكن القول إنه سبق بعقود طويلة ما يدعو إليه اليوم منصور عباس والقائمة الموحدة من التركيز على المواطنة والحقوق المدنية والاندماج في مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، يورد عزمي بشارة في كتابه "الخطاب السياسي المبتور" توصيفًا لافتًا حين يقول في الصفحات 24- 37: "إن الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو أبو شعار المساواة داخل دولة إسرائيل. ولهذا فهو، بمعنى معين، أبو فكرة الاندماج في الدولة". 

ويشرح بشارة أن النضال ضد التمييز في تلك المرحلة كان يُنظر إليه بوصفه تعبيرًا عن الرغبة في الاندماج داخل الدولة، إذ يكتب: "إن النضال ضد التمييز يعتبر تعبيرًا عن رغبته في الاندماج؛ لأنه يتعامل مع مواطنته بجدية... أي إنه تعبير عن إسرائيلية العرب". ويضيف أن هذا الخط "مثله الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وإلى حد ما مباي". 

ولا يقف الأمر عند حدود المطالبة بالمساواة المدنية، بل يشير بشارة إلى أن الحزب الشيوعي اكتفى لفترة طويلة بما يسميه "التعريف السلبي للمساواة"، أي عدم التمييز، من دون أن يطرح تصورًا سياسيًا متكاملًا للمساواة القومية أو لمكانة العرب الجماعية داخل الدولة. كما يلفت إلى أن الحزب أيّد "حق العودة لليهود واستيعاب الهجرة اليهودية"، وأظهر معارضة لمحاولات التنظيم القومي الفلسطيني المستقل، كما حدث مع حركة "الأرض".

ومن هنا، فإن تصوير الخطاب المدني والاندماجي باعتباره ظاهرة جديدة ارتبطت بمرحلة منصور عباس لا يبدو دقيقًا من الناحية التاريخية. فالعودة إلى مرحلة ما قبل عام 1967 تكشف أن الحزب الشيوعي كان أول من صاغ هذا التوجه بصورة منظمة داخل المجتمع العربي، حتى وصفه عزمي بشارة بأنه "أبو فكرة الاندماج في الدولة". وفي هذا المعنى، فإن الخلاف بين الحزب الشيوعي و"عرب الائتلاف" لم يكن خلافًا على الإطار السياسي الذي نشأ بعد عام 1948 بقدر ما كان خلافًا على طبيعة الخطاب وأدوات العمل وسقف المطالب. فبينما انشغلت القوائم الموالية بتحصيل المكاسب الخدماتية وإظهار الولاء للسلطة، تبنى الحزب الشيوعي خطابًا أكثر جرأة في مواجهة الحكم العسكري وسياسات التمييز، لكنه ظل يتحرك ضمن حدود القبول بالدولة والعمل داخل مؤسساتها. 

ولذلك لا تكمن أهمية تجربة الحزب الشيوعي في مواقفه وحدها، بل في كونه أسس مبكرًا لمسار سياسي ما زالت انعكاساته حاضرة في الخطاب العربي حتى اليوم. فقد قام هذا المسار على محاولة الجمع بين ما يسميه عزمي بشارة "الأسرلة"، أي توسيع الوعي بقضية الحقوق المدنية والمواطنة داخل الدولة، وبين "الفلسطنة" التي تؤكد انتماء العرب إلى الشعب الفلسطيني. غير أن الفلسطنة في هذا السياق بقيت محكومة بإطار المواطنة الإسرائيلية وحدود العمل داخل الكنيست، أي داخل المؤسسة التي تمثل أحد الأعمدة المركزية للدولة والمشروع الصهيوني، الأمر الذي جعل التوتر بين الهوية الوطنية الفلسطينية ومتطلبات الاندماج في الدولة سمة ملازمة لهذا الخطاب منذ نشأته. ومن هنا يمكن فهم كثير من السجالات السياسية الراهنة لا باعتبارها قضايا مستجدة، بل كامتداد لنقاشات قديمة رافقت العمل السياسي العربي داخل الكنيست منذ بداياته الأولى.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio