مقالات

من اتحاد الشعوب إلى اتحاد النخب؟ قراءة نقدية في صناعة القرار الأوروبي

لؤي زريق 22:29 20/06 |
حمَل تطبيق كل العرب

عندما تأسس الاتحاد الأوروبي، كان الهدف المعلن هو إقامة فضاء سياسي واقتصادي يضمن التعاون بين الشعوب الأوروبية ويمنع عودة الصراعات التي مزقت القارة خلال القرن العشرين. وقد رُوّج للمشروع الأوروبي باعتباره نموذجاً للتكامل القائم على المساواة بين الدول واحترام إرادة الشعوب. إلا أن التطورات السياسية خلال السنوات الأخيرة تثير تساؤلات جدية حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي ما زال يحقق هذه الأهداف، أم أنه تحول تدريجياً إلى إطار تهيمن عليه مجموعة محدودة من الدول الكبرى.

تبرز هذه الإشكالية بوضوح في ملف العلاقات مع روسيا. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تبنى الاتحاد الأوروبي سياسات متشددة تجاه موسكو شملت عقوبات اقتصادية واسعة النطاق ودعماً سياسياً وعسكرياً لأوكرانيا. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تعكس هذه السياسات فعلاً مواقف جميع الشعوب الأوروبية؟

عند النظر إلى دول مثل اليونان وقبرص وبلغاريا وسلوفاكيا، كرواتيا وسلوفينيا والكثير من دول أوروبا الشرقية نجد صورة أكثر تعقيداً مما يظهر في الخطاب الرسمي الأوروبي. ففي اليونان، على سبيل المثال، لا يزال هناك قطاع واسع من المواطنين ينظر إلى روسيا بإيجابية نتيجة الروابط الدينية والثقافية والتاريخية المشتركة. وفي قبرص أيضاً توجد علاقات تاريخية واقتصادية طويلة مع روسيا جعلت قطاعات من المجتمع تنظر بحذر إلى سياسة القطيعة الشاملة معها.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

أما في بلغاريا وسلوفاكيا، حتى رومانيا (التي انتصر بها حزب يتودد لموسكو لكن الأوروبيون قرروا الغاء نتيجة الانتخابات وقرروا اعادتها حتى تغيرت النتيجة) فقد شهدت الحياة السياسية صعود قوى وأحزاب تدعو إلى علاقات أكثر توازناً مع موسكو وتعارض النهج التصادمي السائد في بروكسل. ومع ذلك، تبدو قدرة هذه الحكومات أو القوى السياسية على إحداث تغيير جوهري محدودة بسبب الالتزامات المفروضة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي والضغوط السياسية القادمة من المراكز الأوروبية الكبرى.

كما أن السنوات الأخيرة شهدت تنامياً للجدل حول تعامل المؤسسات الأوروبية مع نتائج الانتخابات عندما تفرز قوى سياسية لا تنسجم مع التوجه السائد في بروكسل. ففي أكثر من دولة أوروبية وُجهت اتهامات لمؤسسات الاتحاد أو للنخب السياسية الأوروبية بمحاولة عزل أو تهميش قوى منتخبة شعبياً تحت شعارات حماية الديمقراطية أو الدفاع عن القيم الأوروبية. وهنا يبرز سؤال حساس: هل تُحترم الإرادة الشعبية باعتبارها قيمة مطلقة، أم أنها تُحترم فقط عندما تنتج النتائج المرغوبة سياسياً؟ فالديمقراطية تُختبر فعلياً عندما تنتصر الآراء المخالفة، لا عندما تؤكد ما تريده النخب الحاكمة مسبقاً.

وفي هذا السياق يبرز الدور المحوري لألمانيا وفرنسا باعتبارهما القوتين الأكبر داخل الاتحاد الأوروبي. فهاتان الدولتان تمتلكان ثقلاً اقتصادياً وسياسياً يجعل تأثيرهما على القرارات الأوروبية أكبر بكثير من تأثير الدول الصغيرة والمتوسطة. وإلى جانبهما تستمر بريطانيا، رغم خروجها الرسمي من الاتحاد الأوروبي، في لعب دور مؤثر في رسم السياسات الأوروبية المتعلقة بالأمن والدفاع والعلاقة مع روسيا، مستفيدة من وزنها العسكري والدبلوماسي وعلاقاتها الوثيقة مع العديد من العواصم الأوروبية.

المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في مواقف هذه الدول، بل في شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من الأوروبيين بأن أصواتهم لم تعد قادرة على التأثير في القرارات الكبرى. فالمواطن اليوناني أو البلغاري أو السلوفاكي او غيره قد يعبر عن موقف مخالف للسياسة الرسمية تجاه روسيا، لكنه لا يشعر بأن هذا الموقف يجد طريقه إلى مؤسسات صنع القرار الأوروبية. وهنا تظهر فجوة متنامية بين النخب السياسية الحاكمة وبين الرأي العام في عدد من الدول.

ولا يقتصر هذا الأمر على أوروبا الشرقية. ففي إيطاليا وإسبانيا وحتى داخل ألمانيا نفسها توجد تيارات سياسية واجتماعية ترى أن الأولوية يجب أن تكون للمصالح الاقتصادية والاستقرار الأوروبي، لا لاستمرار المواجهة المفتوحة مع روسيا. لكن هذه الأصوات غالباً ما تبقى هامشية وغير مؤثرة نهائيا مقارنة بالسياسات التي يتم تبنيها على مستوى الاتحاد.

غير أن القضية لا تتوقف عند حدود السياسة الخارجية، بل تمتد إلى المبادئ الفكرية التي قام عليها الاتحاد الأوروبي نفسه. فمن أكثر الجوانب إثارة للجدل في السياسة الأوروبية تجاه روسيا ما يتعلق بمسألة حرية الوصول إلى المعلومات. فالاتحاد الأوروبي الذي طالما قدم نفسه باعتباره نموذجاً عالمياً للديمقراطية وحرية التعبير والتعددية الفكرية، اتخذ خلال السنوات الأخيرة إجراءات أدت إلى تقييد وصول المواطنين الأوروبيين إلى عدد من وسائل الإعلام الروسية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت الديمقراطية تقوم على حرية الاختيار، فكيف يمكن للمواطن أن يختار إذا كان يُسمح له بسماع رواية واحدة فقط؟ وكيف يمكن الحديث عن التعددية إذا كانت إحدى وجهات النظر مستبعدة مسبقاً من المجال العام؟

إن جوهر الفكر الديمقراطي الأوروبي لم يكن قائماً على حماية المواطنين من الآراء المختلفة، بل على تمكينهم من الاطلاع على مختلف الآراء ثم تركهم يقررون بأنفسهم ما يقتنعون به وما يرفضونه. أما عندما تتولى السلطات السياسية تحديد المصادر التي يحق للمواطن الاطلاع عليها وتلك التي يجب حجبها عنه، فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذه الممارسات مع المبادئ التي قامت عليها الديمقراطيات الأوروبية الحديثة.

لقد كان الأوروبيون يفخرون دائماً بأن مجتمعاتهم تقوم على المنافسة الحرة بين الأفكار، وأن الحقيقة لا تُفرض بقرار سياسي وإنما تتشكل من خلال النقاش المفتوح والتفاعل بين الآراء المختلفة. غير أن السياسات التي حدّت من وصول المواطنين إلى بعض وسائل الإعلام الروسية أعطت انطباعاً لدى كثيرين بأن المؤسسات الأوروبية لم تعد تثق بقدرة مواطنيها على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وأنها فضلت أن تقوم هي نفسها بدور الحكم الذي يقرر ما يجب أن يسمعه المواطن وما لا يجب أن يسمعه.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالاتحاد الأوروبي الذي انتقد لعقود طويلة الدول التي تفرض قيوداً على تدفق المعلومات، وجد نفسه يواجه اتهامات بأنه يسير في اتجاه مشابه عندما يتعلق الأمر بالرواية الروسية للأحداث الدولية. وبغض النظر عن الموقف من السياسات الروسية أو من الحرب في أوكرانيا، فإن المبدأ الديمقراطي يقتضي أن يكون المواطن قادراً على الاطلاع على مختلف الروايات والآراء قبل أن يشكل موقفه الخاص.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الديمقراطية ليس وجود رأي مخالف، بل الاعتقاد بأن جهة سياسية أو إعلامية واحدة تمتلك الحقيقة المطلقة. فعندما تحتكر المؤسسات الرسمية تعريف الحقيقة، وتحدد مسبقاً ما يجوز للمواطن أن يسمعه وما لا يجوز، فإنها تنتقل من دور المنظم للحياة الديمقراطية إلى دور الوصي على عقول المواطنين.

ومن هنا يرى منتقدو السياسات الأوروبية الحالية أن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بالعلاقة مع روسيا، بل أصبحت تتعلق أيضاً بمستقبل الديمقراطية الأوروبية نفسها، وبمدى التزام مؤسسات الاتحاد الأوروبي بالمبادئ التي طالما اعتبرتها أساس هويتها السياسية والحضارية.

إن الاتحاد الأوروبي يواجه اليوم تحدياً حقيقياً يتمثل في الحفاظ على شرعيته الديمقراطية. فإذا استمرت القرارات المصيرية في الظهور وكأنها تعكس إرادة عدد محدود من العواصم الكبرى أكثر مما تعكس التنوع السياسي والثقافي لشعوب القارة، فإن المشروع الأوروبي نفسه قد يفقد جزءاً من جاذبيته ومن ثقة المواطنين به.

العجز الديمقراطي الأوروبي: من يحكم القارة فعلاً؟

لعل أحد أهم الانتقادات الموجهة للاتحاد الأوروبي يتمثل فيما يسميه عدد من الباحثين بـ"العجز الديمقراطي الأوروبي". فالمواطن الأوروبي يستطيع انتخاب حكومته الوطنية، لكنه لا يمتلك التأثير نفسه على المؤسسات الأوروبية التي تتخذ قرارات مصيرية تمس حياته اليومية. فالمفوضية الأوروبية، التي تمتلك صلاحيات واسعة في اقتراح التشريعات والسياسات، لا تُنتخب مباشرة من الشعوب الأوروبية، كما أن عملية اتخاذ القرار داخل الاتحاد تتم عبر شبكة معقدة من المؤسسات واللجان تجعل المواطن العادي يشعر بأن مركز السلطة الحقيقي بعيد عنه. ولهذا تنامت خلال السنوات الأخيرة شعبية الأحزاب التي ترفع شعار "استعادة السيادة الوطنية"، ليس بالضرورة رفضاً لفكرة التعاون الأوروبي، بل احتجاجاً على شعور متزايد بأن القرار ينتقل تدريجياً من البرلمانات الوطنية المنتخبة إلى مؤسسات فوق قومية يصعب على الناخب العادي محاسبتها أو التأثير فيها. وعندما يقترن هذا الواقع بالثقل السياسي والاقتصادي للدول الكبرى داخل الاتحاد، يزداد الانطباع بأن النفوذ الفعلي لا يتوزع بالتساوي بين الدول الأعضاء، بل يتركز في عدد محدود من العواصم القادرة على توجيه المسار العام للمشروع الأوروبي.

لقد وُلد الاتحاد الأوروبي بوصفه مشروعاً للتعاون بين الشعوب، لا مشروعاً لهيمنة الأقوياء على الضعفاء. لكن ما نشهده اليوم يدفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت أوروبا قد ابتعدت تدريجياً عن هذا الحلم الأصلي، وتحولت إلى منظومة تتركز فيها السلطة الفعلية في أيدي عدد محدود من الدول الكبرى، بينما تتراجع قدرة الشعوب الأخرى على التأثير في القرارات التي تحدد حاضرها ومستقبلها.

وربما يكون التحدي الأكبر أمام أوروبا اليوم ليس في كيفية إدارة علاقتها مع روسيا، بل في كيفية استعادة الثقة بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي وبين الشعوب الأوروبية نفسها، وإثبات أن الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي ليست مجرد شعارات تُرفع عند الحاجة، بل مبادئ تُطبق حتى عندما تكون الآراء المخالفة مزعجة أو غير مرغوب فيها.

محام ودكتور في القانون

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio