المعادلة الحمراء: المجتمع شريكٌ صامت في قتل أبنائه / بقلم: محمد دراوشه
المعادلة الحمراء ليست توصيفاً أدبياً، بل اتهاماً مباشراً لمجتمعٍ بات يقبل، أو يتعايش، مع قتل الأبرياء بدمٍ بارد، فقط لأنهم ينتمون إلى العائلة “الخطأ”. ما يحدث اليوم ليس انحرافاً فردياً، ولا جريمة معزولة، بل منظومة كاملة من الجُبن الاجتماعي، والسكوت الجماعي، وتآكل القيم. منظومة تسمح لعصابات الربا والسوق السوداء أن تتحول إلى سلطة ظلّ، وتسمح لثقافة الثأر أن تصبح قانوناً بديلاً، وتسمح للدم أن يُسفك بلا حساب.
إن استهداف أقارب المتورطين في السوق السوداء ليس مجرد وسيلة ضغط؛ إنه إعلان حرب على الأبرياء. عصابات الربا لا تكتفي بابتزاز المتورط، بل تذهب إلى أبعد نقطة في الانحطاط: تهديد أخته، حرق بيت والده، قتل ابن عمّه، فقط لأنهم “أسهل” و”أقرب” و”أكثر إيلاماً”. أي مجتمع يسمح بأن يتحول الأبرياء إلى رهائن؟ أي مجتمع يقبل أن تُدار حياة الناس بمنطق “ادفع أو نمسح عائلتك”؟
وفي الجهة الأخرى، حين يرتكب مجرم جريمة حمقاء، تتحول عائلة الضحية إلى طرفٍ آخر في المعادلة الحمراء، فتسعى للانتقام بأي ثمن، حتى لو كان الثمن قتل شخص لا علاقة له بالفعل، وربما كان أول من يرفضه. هكذا يصبح المجتمع شريكاً في جريمة جديدة، لأن الصمت تواطؤ، والخوف مشاركة، والتبرير خيانة للقيم.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });الألم الذي يتركه سقوط بريء لا يشبه أي ألم آخر. حين يُقتل إنسان مستقيم، لا علاقة له بالجريمة، ولا دور له في الخطأ، فإن الجرح لا يبقى في بيته، بل ينتشر في كل بيت. الناس يشعرون بأنهم جميعاً مهددون، وأن القانون عاجز، وأن اسم العائلة قد يتحول إلى حكم بالإعدام. هذا الشعور هو أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعاً يريد أن يعيش.
الكثير من أقارب المتورطين يجدون أنفسهم فجأة في قلب معركة لم يختاروها. بعضهم يترك بلدته، وبعضهم يترك الوطن كله. يهربون من ثقافة العنف التي باتت تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية. لا يمكن لومهم؛ فالإنسان يبحث عن الأمان قبل أي شيء. لكن الخسارة التي يتكبدها المجتمع من هجرة هؤلاء فادحة. فهم غالباً من خيرة الشباب، من المتعلمين، من أصحاب الطموح. حين يغادرون، يخسر المجتمع طاقاته، وتربح الجريمة مساحة جديدة.
من الناحية الاجتماعية، هذه الظاهرة ليست مجرد “مشاكل عائلية” كما يحاول البعض تبسيطها. إنها تفكك بنيوي يضرب أساسات المجتمع:
* تفكك الثقة المجتمعية — حين يشعر الناس أن القانون لا يحميهم، وأن اسم العائلة قد يكون حكماً بالإعدام، تنهار الروابط.
* توسّع دائرة العنف — كل جريمة انتقام تولّد جريمة مضادة، وكل استهداف لعائلة يولّد استهدافاً آخر.
* تطبيع الخوف — يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية، ويعتاد الناس على سماع أخبار القتل كما لو كانت نشرة طقس.
* هجرة الكفاءات — يهرب أصحاب التعليم والقدرات، فيتراجع مستوى المجتمع ككل.
* تآكل سلطة القانون — حين تُستبدل العدالة بالقوة، يفقد القانون هيبته، وتصبح العصابات هي المرجعية الفعلية.
لكن الاتهام الأكبر لا يقع على العصابات وحدها، ولا على عائلات الثأر وحدها. الاتهام الأكبر يقع على المجتمع الذي يصمت. المجتمع الذي يبرر. المجتمع الذي يقول “ما إلنا علاقة”. المجتمع الذي يرى الأبرياء يُقتلون ولا يتحرك. هذا الصمت هو الذي يسمح للمعادلة الحمراء أن تستمر. هذا الصمت هو الذي يحوّل الجريمة إلى “واقع”. هذا الصمت هو الذي يجعل القاتل يشعر بأنه محمي، والمجرم يشعر بأنه فوق القانون.
إن كسر هذه المعادلة لا يحتاج فقط إلى قوانين أقوى، بل إلى ثورة قيم. نحتاج إلى أن نعيد الاعتبار لمفهوم العدالة الفردية، وأن نرفض ثقافة العقاب الجماعي. نحتاج إلى أن نقول بصوت واحد إن حياة الأبرياء خط أحمر، وإن الجريمة لا تُواجه بجريمة، وإن الثأر ليس حلاً بل كارثة.
نحتاج إلى مؤسسات قادرة على حماية الناس، وإلى مجتمع يرفض التبرير، ويرفض الصمت، ويرفض أن يكون شريكاً في الجريمة بالخوف أو اللامبالاة. فالصمت هنا ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار النزيف.
المعادلة الحمراء ليست قدراً. يمكن كسرها. يمكن إعادة بناء مجتمع يحترم الإنسان، ويحمي الأبرياء، ويضع الجريمة في مكانها الطبيعي: خارج القانون، وخارج الأخلاق، وخارج المجتمع.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio