ثمة كتب نقرأها فنغادرها بعد الصفحة الأخيرة، وثمة كتب أخرى تظلّ تقرؤنا حتى بعد أن نغلقها. وكتاب «بعضٌ منّي وأكثرُ منه» للشاعرة فوز فرنسيس ينتمي إلى هذا النوع الأخير؛ ذلك النوع من الكتابة الذي لا يكتفي بعرض التجربة، بل يحوّلها إلى سؤال مفتوح حول الإنسان وعلاقته بالذاكرة والانتماء والمعنى.
منذ الوهلة الأولى، يفرض العنوان نفسه بوصفه العتبة الأكثر كثافة في العمل. فهو ليس عنواناً توصيفياً أو زخرفياً، بل مفتاح تأويلي يكاد يختزل الرؤية الكامنة خلف النصوص كلها. فعبارة «بعضٌ منّي» تبدو في ظاهرها إعلاناً لحضور الذات، غير أن الشطر الثاني من العنوان «وأكثرُ منه» يخلخل هذا الحضور ويعيد ترتيب العلاقة بين الأنا والعالم. هنا لا تتصدر الذات المشهد، بل تتراجع لتفسح المجال لكل ما شكّلها وصاغ ملامحها.
إنها ذات لا تتحدث عن نفسها بقدر ما تتحدث عمّا يسكنها.
ولهذا يمكن القول إن فوز فرنسيس لا تكتب الأنا بوصفها مركزاً للوجود، بل بوصفها ما يتبقّى من العالم داخل الإنسان.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });من هذه الزاوية يغدو الكتاب بأكمله رحلة في تشكّل الهوية عبر الآخر؛ فالأب، والأم، والوطن، والأرض، والحب، والذاكرة، ليست موضوعات متجاورة داخل النصوص، بل هي العناصر التي تتكون منها الذات نفسها. وكأن الشاعرة تطرح سؤالاً وجودياً عميقاً دون أن تصرح به مباشرة: ماذا يبقى من الإنسان إذا انتزعنا منه ما يحب؟
هذا السؤال هو النبض الخفي الذي يسري في الكتاب كله.
ولعل الإهداء إلى الأب الراحل يكشف منذ البداية عن طبيعة هذه الرؤية. فالأب لا يحضر باعتباره شخصية عائلية أو ذكرى خاصة، بل بوصفه المرجعية الأولى للغة والجمال والوعي. إنه الجذر الذي انطلقت منه العلاقة بالكلمة، والغياب الذي لم ينجح الموت في إقصائه من المشهد الروحي للنص. لذلك لا يبدو الإهداء مجرد رثاء، بل حوار مؤجل بين ابنة ما زالت تبحث عن نظرة رضا، وبين أبٍ تحول إلى جزء من ضميرها اللغوي والثقافي.
هنا يتحول الفقد من حادثة شخصية إلى بنية شعورية عميقة.
فالغياب في هذا الكتاب ليس حدثاً عابراً، بل قوة دافعة للكتابة نفسها.
وإذا كان الأب يمثل الجذر الأول للهوية، فإن الأرض تمثل امتدادها الأوسع.
غير أن الأرض عند فوز فرنسيس ليست جغرافيا فحسب، وليست حدوداً مرسومة على الخرائط، بل كينونة حيّة تشارك الإنسان وجوده. ولهذا لا تكتبها الشاعرة من موقع الخطابة الوطنية، بل من موقع المعايشة الحميمة. إنها لا ترى الوطن شعاراً، بل تراه شجرة زيتون، وموسم تين، ورائحة زعتر، وسنبلة قمح، وندى صباحياً يلامس الحقول.
وهنا تتجلى إحدى أهم جماليات الكتاب؛ إذ تنجح الشاعرة في تحرير مفهوم الوطن من التجريد وإعادته إلى جوهره الإنساني الأول.
فالوطن لا يُعرّف عبر الشعارات، بل عبر العلاقة اليومية بالمكان.
ولا يُدرك عبر الخطابات، بل عبر الحواس.
ولا يُحفظ عبر الذاكرة السياسية وحدها، بل عبر الذاكرة العاطفية أيضاً.
لهذا لا تبدو فلسطين في النصوص قضية تُكتب، بقدر ما تبدو روحاً تسكن الكتابة ذاتها.
إنها الحاضر الغائب، والجرح الذي لا يكف عن إنتاج المعنى.
وحين تكتبها الشاعرة، فإنها لا تستدعي الأحداث الكبرى بقدر ما تستدعي آثارها الإنسانية. فالأم الثكلى، والطفل الشهيد، والبيت المهجور، والحقول التي تنتظر أصحابها، كلها تتحول إلى علامات على مأساة تتجاوز بعدها السياسي لتلامس جوهر التجربة البشرية في مواجهة الفقد والاقتلاع.
وهنا تحديداً تكتسب القصيدة وظيفة تتجاوز الجمال.
إنها تصبح فعلاً من أفعال المقاومة الرمزية.
مقاومة لا تواجه المحو بالسلاح، بل بالذاكرة.
ولا تواجه النسيان بالشعارات، بل بالحفاظ على التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان روحه الحقيقية.
ومن اللافت أن هذه الرؤية تنعكس بوضوح على لغة الكتاب.
فالمفردات الأكثر حضوراً تنتمي إلى معجم الأرض والطبيعة: الزيتون، والتين، والرمان، والقمح، والندى، والريح، والسنابل، والطيور. غير أن حضور هذه العناصر لا يأتي بوصفه زينة شعرية أو خلفية تصويرية، بل بوصفه جزءاً من البنية الدلالية للنص.
فالطبيعة هنا ليست مشهداً خارجياً.
إنها مرآة للروح.
وكل شجرة تحمل ذاكرة.
وكل موسم يحمل حنيناً.
وكل ثمرة تحمل أثراً إنسانياً يتجاوز حضورها المادي.
لهذا تبدو اللغة شفافة وعفوية، لكنها في العمق لغة واعية باقتصادها الجمالي. فالشاعرة لا تلجأ إلى التعقيد أو الزخرفة البلاغية المفرطة، لأنها تدرك أن قوة الشعر لا تكمن دائماً في كثافة الصورة، بل في صدق التجربة التي تقف خلفها.
إنها كتابة تثق بالمعنى أكثر مما تثق بالاستعراض اللغوي.
وتثق بالنبض الإنساني أكثر مما تثق بالمجازات المبهرة.
أما المرأة في هذا الكتاب فلا تظهر بوصفها موضوعاً مستقلاً، بل بوصفها أحد أعمدة المعنى الكبرى. فهي الأم، والفلاحة، والمناضلة، والعاملة، والحارسة الصامتة لاستمرار الحياة. حضورها ليس احتفالاً رمزياً بالمرأة بقدر ما هو اعتراف بدورها الوجودي في حفظ الإنسان والأرض والذاكرة من التبدد.
ومن هنا تتداخل صورة المرأة مع صورة الوطن في أكثر من موضع، حتى يكاد الاثنان يشكلان وجهاً واحداً لفكرة الصمود.
وعلى المستوى التأويلي العميق، يمكن النظر إلى الكتاب كله بوصفه حواراً دائماً بين الحضور والغياب.
فكل ما تحبه الشاعرة مهدد بالفقد.
الأب غائب.
والوطن مجروح.
والطفولة بعيدة.
والحب مؤجل.
والزمن يتسرب بلا توقف.
غير أن القصيدة تقف في مواجهة هذا المصير.
إنها لا تمنع الرحيل، لكنها تمنع اكتماله.
ولا تهزم الفقد، لكنها تحرمه من الانتصار النهائي.
فالكتابة عند فوز فرنسيس ليست وصفاً للعالم، بل محاولة دائمة لإنقاذ ما يتساقط منه.
ولهذا لا تبدو القصيدة مجرد تعبير جمالي، بل فعل حفظٍ للمعنى في مواجهة التآكل.
ولعل القيمة الأعمق في كتاب «بعضٌ منّي وأكثرُ منه» لا تكمن في موضوعاته، ولا في لغته الشفافة، ولا حتى في صدق تجربته الإنسانية، بل في قدرته على إعادة تعريف العلاقة بين الذات والعالم. ففوز فرنسيس لا تكتب الأنا بوصفها مركز الحكاية، بل بوصفها نقطة التقاء لوجوه عديدة: أبٍ غائب، وأمٍ حاضرة، ووطنٍ جريح، وأرضٍ لا تكف عن إنبات المعنى. ولهذا يبدو الكتاب كله رحلة خروج من ضيق الفرد إلى رحابة الانتماء، ومن حدود السيرة الشخصية إلى أفق الذاكرة الجمعية.
هنا لا يعود الشعر ترفاً لغوياً ولا تمريناً جمالياً، بل يصبح فعلاً من أفعال الحفظ؛ حفظ الإنسان من النسيان، وحفظ المكان من المحو، وحفظ الحب من العبور العابر. ومن هذه الزاوية تحديداً يكتسب الكتاب فرادته؛ إذ لا يترك للقارئ نصوصاً يتذكرها فحسب، بل يترك داخله إحساساً نادراً بأن ما كان «بعضاً» من الشاعرة قد صار «أكثر» في روحه هو أيضاً.
وهنا تبلغ الكتابة غايتها القصوى: أن تتجاوز صاحبها لتصبح جزءاً من ذاكرة الآخرين.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio