خاطرة

«وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن

رانية مرجية 15:52 06/06 |
حمَل تطبيق كل العرب

 

ثمة شعراء يكتبون القصيدة، وثمة شعراء تتحول القصيدة عندهم إلى موقف إنساني ورؤية للحياة. وزهير دعيم ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فهو لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها. لذلك تبدو قصائده وكأنها امتداد لسيرته الفكرية والوجدانية، ولإيمانه العميق بالإنسان والجمال والذاكرة.

في ديوانه «وطني حقيبة سفر» الصادر عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، لا نعثر على وطنٍ بالمعنى الجغرافي الضيق، بل على وطنٍ يتحول إلى سؤال وجودي. فالعنوان نفسه يختزن مفارقة مؤلمة: كيف يمكن للوطن، وهو رمز الثبات والاستقرار، أن يصبح حقيبة سفر؟ وكيف تتحول الأرض التي تمنح الإنسان جذوره إلى شيء يحمله معه خوفًا من الضياع؟

هذه المفارقة تشكل البنية العميقة للديوان كله. فزهير دعيم لا يكتب عن الرحيل بقدر ما يكتب عن مقاومته، ولا يكتب عن الغربة بوصفها مسافة مكانية، بل باعتبارها جرحًا روحيًا يصيب الإنسان حين يشعر أن العالم يبتعد عن قيمه الأولى.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

في اثنتين وثلاثين قصيدة تتناثر على صفحات الديوان، يتجلى الشاعر شاهدًا على زمن تتراجع فيه البراءة لصالح القسوة، والدفء لصالح العزلة، واليقين لصالح القلق. غير أن ما يميز هذه التجربة أنها لا تستسلم للسواد. فالشاعر، رغم وعيه العميق بالخذلان الإنساني، يصر على الانحياز إلى الضوء.

ولهذا تبدو الطبيعة في الديوان أكثر من مجرد عنصر جمالي. فالسنابل والغيم والندى والبحر والزنابق ليست مفردات زخرفية، بل علامات وجودية. إنها اللغة التي يلجأ إليها الشاعر كلما ضاقت اللغة المباشرة عن حمل المعنى. الطبيعة هنا ليست خارج الإنسان، بل امتداد لروحه. وحين يصف زهرة أو غيمة أو شجرة، فإنه في الحقيقة يصف حالة إنسانية أو موقفًا أخلاقيًا أو حلمًا مؤجلًا.

أما المرأة، فتخرج عند زهير دعيم من إطار الحضور العاطفي التقليدي إلى فضاء أكثر اتساعًا. إنها ليست الحبيبة فقط، بل رمز الخصب والحياة والاستمرار. إنها الأم حين تتجسد الأرض حنانًا، والوطن حين يصبح دفئًا، والحبيبة حين تتحول المحبة إلى خلاص. لذلك فإن قصائد مثل «المرأة زنبقة آذار» و«تنقطين حنانًا» لا تقرأ بوصفها نصوصًا غزلية، بل بوصفها نصوصًا تحتفي بجوهر الإنسان.

ومن يقرأ تجربة دعيم في مجملها يكتشف أن هذا الوفاء للإنسان ليس أمرًا عارضًا. فهو الكاتب الذي كتب للأم والأب كما كتب للوطن، واحتفى بفيروز كما احتفى بالطفولة، لأن مشروعه الثقافي في جوهره مشروع دفاع عن الجمال في مواجهة التوحش، وعن الذاكرة في مواجهة النسيان، وعن الإنسان في مواجهة كل ما يحاول اختزاله أو تهميشه.

فنيًا، يختار الشاعر لغة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تخفي قدرًا من الوعي الجمالي. إنها لغة لا تسعى إلى الإدهاش البلاغي بقدر ما تسعى إلى صدق التأثير. ولعل هذا ما يمنح قصائده خصوصيتها؛ فهي لا تصرخ لتُسمع، بل تهمس فتصل. وتلك واحدة من أصعب معادلات الكتابة الشعرية.

إن القيمة الحقيقية لهذا الديوان لا تكمن في موضوعاته وحدها، بل في قدرته على بناء عالم أخلاقي وجمالي متكامل. عالم يؤمن بأن الشعر ما زال قادرًا على ترميم ما تكسره الحياة، وأن الكلمة تستطيع أن تحفظ الذاكرة من التآكل، وأن تمنح الإنسان ملاذًا حين تضيق به الأمكنة.

لهذا لا أقرأ «وطني حقيبة سفر» بوصفه ديوانًا يضم اثنتين وثلاثين قصيدة فحسب، بل أقرأه بوصفه سيرة وجدانية لإنسان ظل وفيًا لأحلامه الأولى. وفي زمن تتشابه فيه الأصوات وتتراجع فيه القيم الجمالية، يأتي صوت زهير دعيم هادئًا، شفافًا، وإنسانيًا، ليذكرنا بأن الشعر الحقيقي لا يقيم في الضجيج، بل في الأثر الذي يبقى في  القلب بعد أن تنتهي القراءة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio