مقالات

حزب الله وإسرائيل: من حرب الاستنزاف إلى معادلة المسيّرات

خالد خليفة 15:30 03/06 |
حمَل تطبيق كل العرب

حزب الله وإسرائيل: من حرب الاستنزاف إلى معادلة المسيّرات

 بقلم: خالد خليفة

وقّعت إسرائيل وحزب الله في أواخر عام 2024 اتفاقية لوقف إطلاق النار، وذلك بعد اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر من العام نفسه. وقد نجحت إسرائيل آنذاك في فرض هذا الاتفاق في الوقت الذي كانت تواصل فيه حربها على قطاع غزة دون توقف.

ومع مرور الوقت، بات واضحًا أن إسرائيل لم تتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره التزامًا متبادلًا، بل نظرَت إليه على أنه تعبيرا عن تراجع حزب الله وخضوعه لسياسة الردع الإسرائيلية. لذلك واصلت عمليات الاغتيال والاستهداف داخل الأراضي اللبنانية، حيث تشير تقديرات مختلفة إلى سقوط أكثر من 1500 قتيل لبناني استهدفوا من قبل إسرائيل في مناطق لبنانية مختلفة خلال الفترة التي تلت الاتفاق. كما انتهجت نفس السياسة في قطاع غزة، حيث استمرت عمليات الاغتيال والاستهداف رغم وجود تفاهمات واتفاقيات لوقف إطلاق النار بين الطرفين منذ ديسمبر 2024.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

وأمام هذا الواقع، لم يعد أمام حزب الله سوى البحث عن وسائل جديدة للرد واستعادة التوازن كما اكد العديد من المراقبين في لبنان. ومع اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران فيما عُرف بعملية "زئير الاسد"، انخرط الحزب أيضا بصورة أكبر في عمليات الإسناد والدعم لطهران، معتبرًا أن ما يجري في لبنان جزء من صراع إقليمي أوسع.

ورغم توقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لاحقًا، فإن إسرائيل واصلت عملياتها العسكرية في لبنان. ومع مرور الوقت توسعت العمليات البرية، وسيطرت القوات الإسرائيلية على مناطق واسعة في الجنوب، متقدمة نحو الزهراني ونهر الليطاني، ثم إلى منطقة قلعة الشقيف المعروفة باسم "قلعة البوفور" بهدف تسميته الحزام الأمني لإسرائيل في جنوب لبنان.

وفي نفس الوقت سعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى فرض واقع جديد في لبنان يشبه ما حاولت فرضه في غزة وسوريا، قائمًا على الهيمنة العسكرية وخلق مناطق نفوذ دائمة. وقد جرى ذلك وسط دعم أمريكي واضح خلال مراحل مختلفة من الصراع، فيما استمرت العمليات العسكرية لأكثر من شهرين متواصلين، بالتزامن مع المفاوضات الأمريكية الإيرانية حول التهدئة الإقليمية.

ولا تزال الأهداف الاستراتيجية الدقيقة لهذه العمليات محل جدل داخل إسرائيل نفسها. فبينما تحدثت الحكومة عن تحقيق الأمن وإبعاد التهديدات عن الحدود الشمالية، رأى منتقدوها أن المشروع الحقيقي كان يتمثل في فرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة في المنطقة.

وبدأت الحملة العسكرية الإسرائيلية تدريجيًا، حيث دفعت إسرائيل في البداية بعدة ألوية إلى الجنوب اللبناني، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو اثني عشر لواءً، أي ما يقارب 120 ألف جندي من القوات النظامية والاحتياط. وقد رافق ذلك تدمير واسع وممنهج للبنية التحتية والابنية السكنية في القرى الحدودية، إضافة إلى عمليات تهجير كبيرة للسكان. وتشير تقديرات متعددة إلى تدمير أكثر من خمسة آلاف منزل ومبنى في المناطق الجنوبية اللبنانية.

كما سعت إسرائيل إلى تحويل جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خالية من السكان، بهدف توفير شعور بالأمن لسكان شمال إسرائيل. ورافق ذلك دعوات متكررة للإخلاء أصدرها الناطق العسكري الإسرائيلي باللغة العربية أفيخاي أدرعي، الأمر الذي دفع أكثر من مليون لبناني إلى النزوح نحو البقاع وبيروت ومناطق أخرى من البلاد.

غير أن المشهد تعقد أكثر عندما امتدت الغارات الإسرائيلية إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث استهدفت مباني ومرافق مدنية، ما أثار موجة انتقادات دولية واسعة اعتبرت هذه العمليات انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني.

وفي هذه المرحلة بدأ التحول الأهم في مسار الحرب. فقد لجأ حزب الله إلى أسلوب قتالي مختلف، يعتمد بصورة أساسية على المسيّرات الهجومية والانقضاضية منخفضة التكلفة، والتي استهدفت القوات الإسرائيلية ومواقعها العسكرية في الجنوب والشمال على حد سواء.

وقد أدى هذا التطور إلى إيقاع خسائر بشرية ومادية في صفوف الجيش الإسرائيلي، كما تسبب في موجة نزوح معاكسة داخل إسرائيل نفسها من شمال البلاد الى مركزها. فبعد نزوح سكان الجنوب اللبناني، بدأت أعداد متزايدة من سكان الشمال الإسرائيلي بمغادرة منازلهم والتوجه نحو وسط البلاد بسبب التهديدات الأمنية المتواصلة، في مشهد غير مسبوق منذ عقود.

ويرى العديد من الباحثين العسكريين أن حزب الله استفاد بشكل مباشر من التجربة الأوكرانية في مواجهة روسيا. فمنذ عام 2021 أثبتت الحرب الأوكرانية أن المسيّرات الرخيصة نسبيًا قادرة على استنزاف الجيوش الكبرى وإرباكها وإلحاق أضرار كبيرة ببنيتها التحتية ومنظوماتها العسكرية.

فبعد أن تمكنت روسيا من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الأوكرانية في بداية الحرب، استطاعت كييف إعادة صياغة المعركة عبر الاعتماد المكثف على المسيّرات الهجومية والاستطلاعية. وقد برزت أسماء قادة عسكريين أوكرانيين وعلى رأسهم الجنرال مديار الاوكراني حيث عملوا على تطوير هذا النوع من حرب المسيرات الانقضاضية زهيدة التكلفة، والتي استهدفت المطارات والمنشآت النفطية والبنية التحتية داخل العمق الروسي.

وعلى الرغم من التهديدات الروسية المتكررة باستخدام القوة الصاروخية الواسعة، فإن حرب المسيّرات استمرت وأصبحت أحد أهم ملامح الحروب الحديثة. وقد أظهرت التجربة الأوكرانية أن التكنولوجيا البسيطة نسبيًا يمكن أن تفرض تحديات كبيرة حتى على القوى العسكرية الكبرى.

ويبدو أن حزب الله استوعب هذه الدروس بصورة عميقة، فطوّر منظومة من المسيّرات الانقضاضية القادرة على استهداف المعدات العسكرية الإسرائيلية وآلياتها وتحركاتها الميدانية. وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن هذه المسيّرات أصبحت تشكل أحد أبرز التحديات أمام القوات العاملة في جنوب لبنان.

وقد أدى ذلك بالفعل إلى إبطاء التقدم العسكري الإسرائيلي ورفع كلفة العمليات الميدانية. كما بدأت الأصوات ترتفع داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مطالبة المستوى السياسي بتحديد أهداف واضحة للحرب، بعد أن تحول الوجود العسكري في الجنوب إلى استنزاف مستمر للجنود والاحتياط.

وفي هذا السياق، وجد نتنياهو نفسه أمام أزمة داخلية متفاقمة. فالخسائر البشرية والعسكرية، ونزوح سكان الشمال، وغياب أفق سياسي واضح، كلها عوامل ساهمت في زيادة الضغوط عليه من داخل الجيش والشارع الإسرائيلي معًا.

ومع تصاعد الانتقادات، بدأت بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية تطالب بتوسيع الهجمات ضد الضاحية الجنوبية لبيروت. إلا أن هذه الدعوات اصطدمت بموقف أمريكي حازم. فقد أدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن توسيع الحرب قد يؤدي إلى تدخل إيراني مباشر ضد إسرائيل الامر الذي يعقد إمكانية التوصل الى أي اتفاق امريكي إيراني قريب.

لذلك جاء الموقف الأمريكي واضحًا في رفض أي تصعيد واسع ضد الضاحية أو المراكز السكانية الكبرى في لبنان. وقد شكل هذا الموقف عامل ضغط حقيقيًا على حكومة نتنياهو، التي اضطرت في نهاية المطاف إلى التراجع عن بعض خياراتها العسكرية والقبول بترتيبات لوقف إطلاق النار، بالتوازي مع موافقة حزب الله على ذلك.

ويبقى السؤال الأساسي اليوم: إلى متى ستصمد هذه التهدئة؟ وهل ستنسحب إسرائيل بشكل كامل من جنوب لبنان، أم ستواصل الاحتفاظ بمواقع عسكرية هناك، بما يعني استمرار حرب الاستنزاف والمسيّرات؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ترتبط إلى حد كبير بمستقبل العلاقة الأمريكية الإيرانية، وبمدى نجاح الجهود التي يقودها دونالد ترامب للوصول إلى تفاهمات أوسع في المنطقة. كما ترتبط بمستقبل نتنياهو السياسي نفسه، الذي يواجه تحديات داخلية متزايدة نتيجة طول أمد الحرب وارتفاع كلفتها البشرية والاقتصادية.

لذلك فإن ما يجري في جنوب لبنان لم يعد مجرد مواجهة حدودية بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبح اختبارًا لمعادلات القوة الجديدة في الشرق الأوسط، وللقدرة على توظيف دروس الحروب الحديثة، وفي مقدمتها حرب المسيّرات التي غيرت شكل الصراعات العسكرية في العالم.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio