الدعوة إلى الخدمة المدنية ليست مجرد موقف سياسي عابر أو محاولة لـ "المغازلة" السياسية بهدف تحقيق مكاسب آنية، بل هي معركة تمس الانتماء والوعي والهوية الجماعية. وما يفعله الدكتور منصور عباس، رئيس القائمة الموحدة المشاركة في الكنيست الإسرائيلي منذ عام 1996، لم يعد يُمكن التعامل معه باعتباره مجرد تصريحات عابرة أو زلات لسان. فرغم وجود من يواصل تبرير مواقفه وسلوكياته، واتهام كل من ينتقده بالتخوين أو التكفير أو الكيدية السياسية والمناكفات الحزبية، إلا أن مجمل هذه التصريحات والمواقف بات يكشف بوضوح أنها تصدر عن وعي كامل وخيار سياسي وفكري مقصود، يعرف صاحبه جيدًا إلى أين يريد أن يصل. فمنذ بروزه في الساحة السياسية، ولا سيّما منذ دخوله الكنيست عام 2019، يسير منصور عباس في مسار متدرج وثابت، تتجاوز تداعياته حدود العمل السياسي التقليدي إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي وتعريف العلاقة مع الدولة ومؤسساتها. ويحيط به في هذا المسار طاقم من المستشارين الإعلاميين والسياسيين والمُنظّرين الاستراتيجيين، بعضهم لا تربطه بالحركة الإسلامية الجنوبية أي علاقة تنظيمية أو حركية حقيقية، ولا يجمعه بها سوى الاسم وما يتيحه هذا الموقع من مصالح ومكاسب شخصية.
من نافلة القول إن الحديث هنا لا يتعلق بشخص منصور عباس بحد ذاته، ولا يندرج في إطار الشخصنة أو الخصومة الشخصية، بقدر ما يتعلق بنهج وفكر وخطاب سياسي متكامل. فهذا الخطاب، وإن بدا موجهًا إلى الشارع الإسرائيلي، فإن المستهدف الأساسي منه هو الشارع العربي في الداخل. ولذلك نلحظ بوضوح الفارق بين ما يُقال بالعبرية وما يُقال بالعربية، سواء في المصطلحات أو الرسائل أو طبيعة الخطاب. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع دعوته إلى "الخدمة للجميع" – حتى لو جرى لاحقًا التوضيح بأنه يقصد الخدمة المدنية لا العسكرية – باعتبارها مجرد طرح خدماتي عابر، بل يجب فهمها ضمن سياقها السياسي والفكري.
فـ "الخدمة المدنية" في إسرائيل ليست مجرد عمل تطوعي لخدمة المجتمع، وإنما مشروع يهدف إلى إعادة صياغة علاقة الفلسطينيين في الداخل بالدولة، عبر نقلها من إطار الحقوق الجماعية والانتماء الوطني إلى إطار "الواجبات الفردية" والاندماج في مؤسسات الدولة. ولهذا جرى تسويقها بلغة مدنية ناعمة، مع إغراءات تعليمية وتشغيلية ومالية، بهدف تطبيع العلاقة مع الدولة وربط الشعور بالمواطنة بمقدار الانخراط في منظومتها.
والخطورة في هذا المشروع لا تكمن فقط في طبيعة الخدمة نفسها، بل في أثرها التراكمي على الوعي والانتماء، إذ تسعى تدريجيًا إلى إعادة تعريف الهوية والأولويات، بحيث تتحول العلاقة مع الدولة من قضية حقوق وصراع على الهوية إلى علاقة اندماج فردي ومصلحة شخصية. ولذلك، فالقضية ليست تقنية ولا خدماتية، بل قضية وعي وهوية ومسار سياسي طويل المدى.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وحتى لو كانت الخدمة المقصودة "مدنية" لا "عسكرية"، فإن المنطلق واحد، وهو إدخال العرب الفلسطينيين فيما يسمى "المجهود القومي" الإسرائيلي الخادم لدولة تقوم على الاحتلال والحرب والتوسع. أما الادعاء بأن الخدمة المدنية ستحل مشاكل المجتمع العربي، فهو ادعاء مضلل، لأن التمييز ضد الفلسطينيين في الداخل ليس ناتجًا عن غياب "الخدمة"، بل هو تمييز بنيوي مرتبط بطبيعة الدولة نفسها وقوانينها العنصرية. وهو ما تؤكده أيضًا تجربة الطائفة الدرزية، التي لم تمنحها الخدمة العسكرية مساواة حقيقية، كما أن رفض الحريديين للخدمة لم يمس بمكانتهم السياسية ونفوذهم داخل الدولة.
ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى أن مشروع الخدمة المدنية لا يُطرح فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل يجري تطبيقه وتوسيعه أيضًا من خلال جمعيات ومؤسسات ومشاريع تعمل تحت مسميات مختلفة، بعضها يُقدم بغطاء اجتماعي أو شبابي أو تطوعي، بينما يؤدي عمليًا دورًا في تعزيز هذا المسار وتطبيعه داخل المجتمع العربي.
وفي المقابل، فإن المواقف السياسية العربية من هذا المشروع كانت، وما زالت، بمعظمها مواقف رافضة وواضحة. فقد عبّرت الأحزاب والقيادات العربية، ولجنة المتابعة، والوثائق الجماعية، في أكثر من محطة، عن رفضها للخدمة المدنية باعتبارها مشروعًا سياسيًا يستهدف إعادة تعريف علاقة الفلسطينيين في الداخل بالدولة. كما وثّق كتاب صادر عن مدى الكرمل وحرّره الدكتور امطانس شحادة عام 2014، مواقف عدد من القيادات العربية الرافضة لهذا المشروع.
ومن اللافت في هذا السياق موقف الشيخ إبراهيم صرصور، رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية بين عامي 1999–2010، الذي عبّر بوضوح عن رفضه السياسي للمشروع، كما ورد في الكتاب المشار إليه في الصفحات 142–143، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية ليست في استفادة بعض الأفراد من فرص أو امتيازات، بل في السياسات البنيوية التي تمارسها الدولة تجاه الفلسطينيين في الداخل. وبحسب موقفه، فإن الخدمة المدنية قد تحقق منفعة فردية لبعض الأشخاص، لكنها لا تعالج جوهر القضية، لأن المشكلة ليست خدماتية أو اقتصادية فقط، بل هي قضية علاقة سياسية وقومية مع دولة ما زالت تعرّف نفسها كدولة يهودية وتمارس سياسات تمييز وإقصاء بحق الفلسطينيين.
وكالعادة، سيخرج من يقول إن منصور عباس ونهجه وما يصدر عنه من تصريحات – التي توصف أحيانًا بأنها "زلات لسان غير محسوبة" – بات يحظى بتأييد شريحة كبيرة من مجتمعنا، والدليل على ذلك نتائج انتخابات نهاية عام 2022، التي حصلت فيها القائمة الموحدة على نحو 190 ألف صوت، وأصبحت تُعد أكبر قائمة انتخابية في الساحة السياسية العربية. وأنا أضيف إلى ذلك، بل وأقول بوضوح: إن منصور عباس وقائمته قادران في الانتخابات القادمة – إذا خاضاها منفردين – على الحصول على نحو 250 ألف صوت وربما سبعة مقاعد في الكنيست. لكن، هل بات معيار الصواب والخطأ، والثوابت والتحولات، هو عدد الأصوات والمقاعد والحسابات الانتخابية فقط؟
يا قومنا، إن القضايا المطلبية والخدماتية التي توظفها القوائم الانتخابية – دون استثناء، وعلى رأسها قائمة منصور عباس – ليست حالة خاصة بمجتمعنا، بل هي موجودة في مختلف المجتمعات. غير أن الإشكالية تكمن في تحويل هذه المطالب إلى مدخل لإعادة صياغة الوعي السياسي وترتيب الأولويات، بحيث تصبح القضايا المعيشية والخدماتية بديلًا عن القضايا الوطنية والحقوق الجماعية. ولذلك نرى أن الحملات الانتخابية تدور في معظمها حول التنافس على تحصيل ميزانيات وخدمات ومكاسب مطلبية، يُقدم تحقيقها وكأنه مشروط بالانخراط في المعسكرات الصهيونية والاقتراب منها سياسيًا.
وفي واقع الأمر، فإن هذه الحالة ليست منفصلة عن التحولات التي طرأت على السياسة الإسرائيلية تجاه المجتمع العربي خلال العقد الأخير، والتي تحكمها بالأساس اعتبارات اقتصادية ووظيفية. فقد بدأت مؤسسات الدولة تنظر إلى المجتمع العربي، وكذلك إلى المجتمع الحريدي، باعتبارهما "عبئًا اقتصاديًا"، ومن هنا جاءت سياسات الدمج الاقتصادي والتشغيلي ومحاولات إعادة هندسة العلاقة مع الدولة على أساس المصلحة الفردية والاندماج الوظيفي، لا على أساس الحقوق الجماعية أو العدالة السياسية.
كما أن الدولة تدرك جيدًا وجود تيار داخل المجتمع العربي يتبنى ما يمكن تسميته بـ"نظرية الخلاص الفردي"، ويقدمها على مفهوم الخلاص الجماعي والقضايا الوطنية المصيرية. ومن هنا يتقاطع الخطاب المدني الذي يروّج له منصور عباس مع التوجهات الإسرائيلية الرسمية، التي تسعى إلى إبقاء المجتمع العربي منشغلًا في تحصيل إنجازات مدنية وخدماتية جزئية، بعيدًا عن الانشغال بالقضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها الهوية والانتماء والحقوق الجماعية ومكانة الفلسطينيين في هذه البلاد.
ومن هنا، يمكن فهم الخدمة المدنية ليس كمشروع تطوعي أو خدماتي فحسب، بل كجزء من معركة أوسع على الهوية والانتماء والوعي السياسي. فبذريعة الضغوط المعيشية والحاجات الاجتماعية، تجري عملية تدريجية لإعادة تشكيل الوعي، تبدأ بتطبيع مفاهيم وخطابات معينة حتى تبدو طبيعية ومقبولة، ثم تتحول إلى خطوات عملية تغيّر تعريف العلاقة مع الدولة وحدود الانتماء الجماعي. وما يُطرح اليوم تحت عنوان "الخدمة المدنية" قد يصبح لاحقًا مدخلًا لتقبل أشكال أخرى من الاندماج في المؤسسات الأمنية والعسكرية، بعد تهيئة الوعي الجمعي لذلك. ولذلك، فإن دعوة منصور عباس إلى هذا المسار تمنح شرعية لمشاريع تستهدف إعادة تشكيل الوعي وإضعاف الانتماء الوطني الفلسطيني.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio