في كل انتخابات إسرائيلية يعود الفلسطيني في الداخل إلى السؤال ذاته، كأنه يدور في حلقة لم تُكسر منذ النكبة:
هل نشارك في انتخابات الكنيست؟
هل نقاطع؟
وهل يمكن أصلًا أن ننتزع عدالة من داخل مؤسسة قامت على أنقاضنا؟
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });هذا الجدل لم يعد جديدًا. الجديد فقط أن الوقت يمضي، بينما الفلسطيني في الداخل ما زال عالقًا بين خوفين: خوف الذوبان داخل الدولة، وخوف الغياب عن التأثير فيها. وبين الخوفين، تضيع قوة هائلة لم يكتشف العرب وزنها الحقيقي بعد.
فالعرب في إسرائيل ليسوا جالية مهاجرة تبحث عن تمثيل رمزي، بل أصحاب أرض تحولوا بفعل القوة إلى أقلية سياسية داخل وطنهم. ورغم كل محاولات الأسرلة والتهميش والإفقار، ما زالوا يشكلون نحو عشرين بالمئة من السكان. بلغة السياسة، هذا الرقم يعني شيئًا بالغ الخطورة: عشرون مقعدًا محتملًا في الكنيست.
عشرون مقعدًا في دولة تقوم حكوماتها على الائتلافات الهشة ليست رقمًا عابرًا. إنها قوة قادرة على ترجيح حكومات وإسقاط أخرى، ومنع قوانين وفرض شروط، وربما إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها الفلسطينيين. لكن ما يحدث فعليًا أن هذه القوة تتبخر قبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع.
ليس لأن العرب أقلية ضعيفة، بل لأنهم أقلية منهكة.
المواطن العربي في الداخل يعيش اليوم أزمة أعمق من السياسة نفسها. هو محاصر بيوميّات ثقيلة: جريمة تلتهم الشوارع، شرطة غائبة حين يكون الضحية عربيًا، بيوت مهددة بالهدم، عنصرية تتوسع علنًا، واقتصاد يدفع الشباب إلى الهامش واليأس. وفي ظل هذا الخراب اليومي، لم تعد الشعارات الوطنية وحدها كافية لإقناع الناس بأن صوتهم يمكن أن يغيّر شيئًا.
ثم جاءت الانقسامات الحزبية لتكمل المشهد.
فبدل أن تتحول الأحزاب العربية إلى مشروع وطني جامع، تحولت في كثير من الأحيان إلى جزر متصارعة؛ خلافات شخصية، حسابات ضيقة، وانفصال متزايد عن الشارع الحقيقي. المواطن العربي لم يعد يسأل فقط: “من سننتخب؟” بل صار يسأل بسخرية مُرّة: “ومن يشبهنا أصلًا؟”
ومع ذلك، أثبتت تجربة “القائمة المشتركة” أن الشارع العربي حين يشعر بالوحدة يستيقظ دفعة واحدة. يومها ارتفعت نسبة التصويت، ووصل التمثيل العربي إلى خمسة عشر مقعدًا، وشعرت المؤسسة الإسرائيلية بشيء من القلق الحقيقي. لأن إسرائيل، مهما ادّعت، تعرف أن أخطر ما يمكن أن يفعله الفلسطيني في الداخل ليس الصراخ، بل التنظيم.
إسرائيل لا تخشى العربي الغاضب بقدر ما تخشى العربي الذي يعرف وزنه السياسي جيدًا.
ولهذا، لم يكن صدفة أن تُحاصر التجربة الوحدوية بالتحريض والانقسامات ومحاولات التفكيك. فوجود كتلة عربية قوية وموحدة يعني سقوط الرواية التقليدية التي تريد للفلسطيني في الداخل أن يبقى مجرد أقلية منشغلة بأزماتها الداخلية، لا قوة سياسية قادرة على فرض نفسها على المشهد.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن جزءًا من الأزمة عربي أيضًا.
فالمقاطعة، حين تتحول من موقف سياسي واعٍ إلى انسحاب جماعي يائس، لا تُضعف الدولة بقدر ما تُضعف العرب أنفسهم. كل صوت عربي يبقى في البيت لا يتحول إلى احتجاج صامت، بل يتحول عمليًا إلى مكسب لمعسكر اليمين الأكثر تطرفًا وعداءً للعرب. السياسة لا تعترف بالفراغ؛ حين تنسحب منه، يملؤه خصمك فورًا.
ومع ذلك، فإن المشاركة وحدها ليست خلاصًا سحريًا. فالكنيست ليس مؤسسة محايدة، والدولة لم تُخفِ يومًا طبيعتها القومية اليهودية، بل ذهبت أكثر نحو اليمين الديني والتشدد القومي. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نشارك أم نقاطع؟ بل: ماذا نريد من المشاركة نفسها؟
هل نريد فقط تحسين شروط الحياة اليومية؟
أم حماية ما تبقى من الأرض والهوية؟
أم بناء قوة فلسطينية منظمة داخل إسرائيل تفرض حضورها السياسي والمدني والتاريخي؟
هنا يبدأ النقاش الحقيقي.
لأن المأساة لم تعد في ضعف الفلسطيني داخل إسرائيل، بل في تشتته. فالمجتمع الذي يملك هذا الحجم الديمغرافي، وهذه القدرة الانتخابية، وهذا الوعي السياسي المتراكم، كان يمكنه أن يكون الرقم الأصعب في المعادلة الإسرائيلية كلها، لو امتلك مشروعًا موحدًا يتجاوز الأشخاص والأحزاب والمصالح الضيقة.
القضية لم تعد عدد مقاعد فقط.
القضية أن الفلسطيني في الداخل يقف اليوم أمام امتحان وجود سياسي كامل:
إما أن يتحول إلى قوة منظمة تعرف كيف تستخدم وزنها، أو يبقى مجرد أقلية تُستدعى موسم الانتخابات ثم يُعاد تهميشها بعد انتهاء الفرز.
وربما هذه هي الحقيقة التي تخشاها إسرائيل أكثر من أي شيء آخر:
أن يكتشف الفلسطيني في الداخل، أخيرًا، أن قوته كانت موجودة طوال الوقت… لكنه لم يقرر بعد أن يستخدمها.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio