مقالات

الحرب التي بدأت في آذار… ولماذا لن تستمر طويلًا

خالد خليفة 14:48 13/05 |
حمَل تطبيق كل العرب

الحرب التي بدأت في آذار… ولماذا لن تستمر طويلًا

بقلم: خالد خليفة

منذ اندلاع المواجهة العسكرية في شهر آذار الماضي بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيلية، بدا واضحًا أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الخطورة سياسيًا وعسكريًا. لكن وبعد مرور أكثر من سبعين يومًا على هذه الحرب، بدأت تتكشف معالم أزمة حقيقية داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وخصوصًا لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يبدو اليوم فيه واضحا انه أقرب من البحث عن مخرج سياسي عن الاستمرار في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.

لقد حاول ترامب منذ بداية الحرب أن يظهر بمظهر الرئيس القوي القادر على فرض شروطه العسكرية بالقوة، لكنه اصطدم بواقع إقليمي ودولي مختلف تمامًا عما كان يتوقعه. فرغم الضربات والحصار الاقتصادية، لم تنهَار إيران، بل تعاملت مع الحرب باعتبارها حرب استنزاف طويلة، وهي تدرك جيدًا أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لتتحمل نتائج مواجهة طويلة الامد في الشرق الأوسط، لا عسكريًا اقتصاديًا وسياسيًا.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ومن هنا يمكن فهم التناقض الواضح في مواقف ترامب خلال الأسابيع الأخيرة. فمن جهة، رفض بشكل كامل الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية المتعلقة بالمفاوضات النووية، واعتبر أن طهران “لا تزال ترفض تقديم التنازلات المطلوبة”، وفي نفس الوقت هدد بشكل علني بإشعال حرب واسعة ضد إيران إذا لم تستجب للشروط الأمريكية. لكن من جهة أخرى، بدا واضحًا أن هذا التهديد يحمل طابع الضغط السياسي أكثر مما يعكس استعدادًا حقيقيًا لخوض حرب شاملة.

فالولايات المتحدة اليوم تعيش حالة ضائقة استراتيجية معقدة، والرئيس ترامب يدرك أن أي حرب كبيرة ضد إيران قد تتحول إلى كارثة سياسية عليه شخصيًا وعلى رئاسته وعلى الحزب الجمهوري. ولذلك فإن لغة التهديد الأمريكية الأخيرة يمكن فهمها في إطار محاولة تحسين شروط التفاوض، وليس بالضرورة التوجه نحو مواجهة شاملة.

كما أن هناك عاملًا دوليًا مهمًا لا يمكن تجاهله، ويتمثل في الدور الصيني المتصاعد. فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي حرب طويلة في الخليج ستؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل التجارة الدولية، وهو ما تعتبره الصين تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية الكبرى. ولهذا فإن كثيرًا من المحللين يعتقدون أن ترامب قد يؤجل أي قرار عسكري كبير إلى ما بعد اجتماعه المرتقب مع الرئيس الصيني تشي جنبي، أو أن الصين نفسها ستمارس ضغوطًا دولية واقتصادية لمنع واشنطن من الانزلاق نحو حرب مفتوحة.

اما إيران بدورها تدرك هذه الحقيقة جيدًا، وتفهم أن ترامب موجود في ضائقة داخلية وخارجية. فالاقتصاد الأمريكي يعاني من أزمات متراكمة، والتضخم لا يزال يضغط على المواطن الأمريكي، إضافة إلى فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق الكثير من الوعود المتعلقة بالصحة والهجرة وتحسين الوضع الاقتصادي. ولهذا فإن ترامب ليس في موقع يسمح له بخوض حرب طويلة الأمد قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل جنوني وإدخال الاقتصاد الأمريكي في أزمة جديدة.

وفوق كل ذلك، فإن الولايات المتحدة تستعد خلال الأسابيع المقبلة لاستضافة أحداث دولية ضخمة، أبرزها بطولة كأس العالم التي ستبدأ في بداية شهر حزيران وتقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وهذه الدورة الرياضية تمثل مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا هائلًا بالنسبة للإدارة الأمريكية، التي تريد استثمارها لتعزيز صورتها الدولية، وليس لتحويلها إلى مناسبة أمنية وعسكرية مرتبطة بحرب في الشرق الأوسط.

كما أن الولايات المتحدة تستعد أيضًا للاحتفال بمرور 250 عامًا على تأسيسها في الرابع من تموز المقبل، وهي أيضا مناسبة وطنية ضخمة تتطلب تركيزًا سياسيًا وأمنيًا وماليًا كبيرًا من الإدارة الأمريكية، الأمر الذي يجعل من الصعب فتح جبهة عسكرية جديدة ومفتوحة ضد إيران في هذه المرحلة الحساسة.

أما على المستوى الداخلي الأمريكي، فإن الانتخابات النصفية للكونغرس المقررة في شهر تشرين الثاني المقبل تشكل هاجسًا حقيقيًا للرئيس ترامب والحزب الجمهوري. فأي حرب طويلة وغير محسوبة قد تؤدي إلى خسائر سياسية كبيرة للجمهوريين، خاصة إذا انعكست على الاقتصاد الأمريكي وأسعار الوقود ومستوى المعيشة والرأي العام المعارض بشدة لهذه الحرب.

إضافة إلى ذلك، فإن القانون الأمريكي نفسه يضع قيودًا على استمرار العمليات العسكرية. فوفق قانون صلاحيات الحرب، لا يستطيع الرئيس الأمريكي الاستمرار في عمليات عسكرية واسعة لأكثر من 60 يومًا دون العودة إلى الكونغرس والحصول على تفويض جديد. وبعد مرور أكثر من 75 يومًا على الحرب الحالية، فإن الإدارة الأمريكية أصبحت أمام معضلة قانونية وسياسية حقيقية في حال أرادت توسيع الحرب ضد إيران.

أما عسكريًا، فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة لا ترغب بالدخول في حرب برية ضد إيران. فمثل هذا الخيار يحتاج إلى مئات آلاف الجنود وإلى غطاء شعبي وسياسي غير متوفر حاليًا داخل الولايات المتحدة. وحتى على مستوى الضربات الجوية والبحرية، فإن واشنطن تدرك أن إيران تملك القدرة على الرد عبر الخليج ومضيق هرمز، الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمة عالمية في الطاقة والتجارة.

وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، اثبتت انهت غير معنية بتحويل أراضيها إلى منصة لحرب مفتوحة ضد إيران. فالسعودية تستضيف في هذه الفترة ملايين الحجاج المسلمين خلال موسم الحج، وهي تدرك أن أي تصعيد عسكري قد يهدد استقرار المنطقة بالكامل. ولذلك فإن هناك ضغوطًا خليجية واسعة النطاق لمنع واشنطن على التصعيد العسكري وحثها وللتوصل إلى تهدئة سياسية.

أما في الملف النووي، فيبدو أن الخلاف الحقيقي يتمحور حول مسألة اليورانيوم الإيراني المخصب. فترامب يريد تحقيق إنجاز سياسي واضح عبر فرض شروط قاسية على إيران، بينما ترفض طهران تسليم اليورانيوم المخصب للولايات المتحدة. وهناك تقديرات تشير إلى أن إيران قد توافق على تقليص نسبة التخصيب من 60% إلى مستويات منخفضة، مع إبقاء المواد داخل الأراضي الإيرانية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو سيناريو قريب مما حدث خلال الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما.

لكن المشكلة الأساسية بالنسبة لترامب تكمن في أنه لا يريد العودة إلى صيغة تشبه اتفاق أوباما، لأنه يعتبر ذلك اعترافًا بفشل سياساته السابقة. ولذلك يحاول الحصول على تنازلات إضافية من إيران، ولو بشكل رمزي، ليقدمها للرأي العام الأمريكي باعتبارها “انتصارًا سياسيًا”.

في المحصلة، يبدو واضحًا أن الحرب التي بدأت في آذار لن تستمر بالشكل الذي بدأت به. فالولايات المتحدة ليست مستعدة لحرب استنزاف طويلة، بينما إيران تبدو أكثر استعدادًا لتحمل المواجهة على المدى البعيد. كما أن استمرار الحرب يهدد الاقتصاد العالمي ويزيد من عزلة الولايات المتحدة وإسرائيل دوليًا.

ومن هنا، فإن الاحتمال الأكبر خلال المرحلة المقبلة هو التوجه نحو نوع من التهدئة أو الاتفاق المرحلي، حتى وإن استمرت التهديدات الإعلامية المتبادلة. أما الحرب الشاملة، فتبقى خيارًا مكلفًا جدًا بالنسبة لواشنطن، وقد تكون نتائجه أخطر بكثير مما تستطيع الإدارة الأمريكية الحالية تحمله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio