مقالات

رهانات نتنياهو امام استحقاق "أمريكا أولاً"

أمير مخول 10:11 07/05 |
حمَل تطبيق كل العرب

راهن نتنياهو قبل الحرب على ايران على ثلاثة أمور؛ تعظيم دور إسرائيل ونقلها الى مصاف الدول الكبرى إقليميا ودوليا والشريكة لواشنطن؛ وعلى القدرة على توجيه دفة السياسة الامريكية وقرارات ترامب؛ وعلى ان تكون الحرب الرافعة لحسم الانتخابات الإسرائيلية لصالحه ودونما منازع. فهل اثبتت الرهانات صوابها؟

في اعقاب التقدير الأمريكي بأن الاحتمالية وشيكة للاتفاق مع إيران على إطار اتفاق امريكي إيراني، صدر عن مكتب نتنياهو بأن إسرائيل على اطلاع كامل بالتفاصيل. يمدد اطار الاتفاق في حال تم التوافق عليه بين طهران وواشنطن، ويتيح المجال لشهر من المحادثات لإنجاز تفاصيله.

الرهان الأول تموضع إسرائيل كدولة كبرى؟

اثبتت إسرائيل في بداية الحرب الامريكية الإسرائيلية الأولى علنا، بأنها شكلت الحليف الأول والوحيد للولايات المتحدة وبأنها تملك نقاط قوة نوعية عسكريا واستخباراتيا تضع إدارة ترامب في خانة الحاجة للاعتماد عليها في اسقاط النظام الإيراني بالضربة الأولى على اعتبار انها ستكون قاضية، الا ان الامر لم يتحقق، ليتساءل ترامب علناً وفي أكثر من مرة لماذا لم يستسلم الإيرانيون بعد، الامر الذي لم يحصل بينما أعلنت الولايات المتحدة وقف اطلاق النار وتسارعت وتيرة المفاوضات مع ايران بمعزل عن إسرائيل.  ثم أعلنت إدارة ترامب وقفا لإطلاق النار في لبنان لتمدده لاحقا وتضع خطوطا حمراء لم تستطع حكومة نتنياهو تجاوزها وحصريا في منع استهداف بيروت وبنية الدولة اللبنانية. وفقا للتقديرات الإسرائيلية فإن التنسيق وثيق بين نتنياهو وترامب، الا ان القرار يعود لترامب.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

التموضع الجيو- سياسي: من الصعوبة بمكان التقدير بأن إسرائيل قد حسّنت وضعيتها الجيوسياسية إقليميا ودوليا، فإن كانت رسميا قد راهنت على الحرب وحصريا في ملف مضيق هرمز وممرات الطاقة بوصفها استثمارا يقوم على اعتماد ممر بديل لمضيق هرمز ولقناة السويس والبحر الأحمر. قام هذا الرهان على اعتبار حرب مضيق هرمز فرصة تاريخية لإسرائيل كي تعيد الى الواجهة ممر التجارة والطاقة البحري البري من الهند شرقا مرورا بدول خليجية بينما يشكل ميناءا أسدود وحيفا محطتين لوجستيتين أساسيتين في هذا المشروع وبما يتماشى مع مخططات الهيمنة الامريكية في البحار وعلى سوق الطاقة وعلى تبديل الممرات التقليدية. كما تردَّد في إسرائيل مفهوم ان الحرب على ايران هي استثمار للأجيال القادمة. 

الا ان استفاقة الدول العربية وحصريا الخليجية ومصر وإقليميا تركيا تضع علامة سؤال كبرى على المشروع المذكور، اذ تنوي السعودية نقل النفط بالأنابيب الضخمة من شرق البلاد عبر أراضيها الى البحر الأحمر، فيما تتحدث التقديرات الإسرائيلية عن تعاظم قوة الاسطول المصري لحماية البحر الأحمر بما فيه من هيمنة إسرائيلية بعد العلاقة الحميمية مع إقليم ارض الصومال الانفصالي المطل على باب المندب. فيما المشروع المستحدث والاكبر حاليا هو مشروع البحار الأربعة القائم على رؤية جيو-استراتيجية تربط الخليج والبحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين لنقل الطاقة والتجارة بين اسيا وأوروبا دون الاعتماد الكلي على مضيق هرمز او باب المندب، ويمر هذا الطريق في سوريا وتركيا وقد يشمل العراق والأردن. تعتبر السعودية من أهم القوى الإقليمية التي سوف تستثمر فيه. فعليا هذا المشروع يمثل قوى اقتصادية أقوى من إسرائيل التي في حال انجاز مشروع البحار الأربعة قد يُلغي جدوى المشروع المعنية به.

ارتفاع في صادرات المنظومات الحربية: مقابل علامات السؤال على الرهانين السابقين، تتقدم إسرائيل بشكل جوهري في مجال الصادرات الحربية وحصريا منظومات الدفاع الجوي القبة الحديدية وصواريخ حيتس ومنظومة الليزر من انتاج شركات الصناعات العسكرية والفضائية و"رفائيل" و"إلبيت".

وفقا لتقرير نشرته الصحيفة الاقتصادية "دي ماركر" في عام 2025، مُنحت تراخيص التسويق في العام 2023 إلى 19 دولة وفي عام 2024 إلى 56 دولة، وفي العام 2025 إلى 74 دولة.

  يعود التغير في عدد التراخيص الصادرة إلى عدد الطلبات المقدمة من الشركات وسياسة وزارة الامن. وتُعدّ هذه الزيادة في عدد التراخيص ملحوظةً أيضاً، وفيها دلالة لنجاعة هذه المنظومات، والطلبات عليها وخاصة من ألمانيا والامارات من حيث حجم الصفقات وفقا للصحيفة. ومن المتوقع أن تصل الصادرات الأمنية الإجمالية لدولة إسرائيل في عام 2025 إلى 18 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 3 مليارات دولار عن عام 2024، وذلك بفضل شركتي رافائيل وصناعات الفضاء الإسرائيلية.

فيما المقابل تشير "دي ماركر" الى صعوبة تصدير الأسلحة الهجومية الإسرائيلية وذلك نتيجة لحركات المقاطعة عالميا خلال الحرب على غزة واثارة الموضوع من قبل عدة دول أوروبية.

وإذ بلغ عدد التراخيص 6629 فلا يعني ذلك بالضرورة انها ستنجح جميعها، لكنه يعكس إمكانيات واسعة للتصدير العسكري في السنوات القادمة. فيما هناك تحفظات في هذا الصدد باعتبار أن نتنياهو قد صرّح بشكل قطعي في خطاب "اسبارطة" على اعتماد إسرائيل على الإنتاج والاستهلاك الذاتيين. في الحالتين فإن سوق تصدير الأسلحة والمنظومات من شأنه ان يتسع بشكل ملحوظ في اعقاب الحرب على ايران، وبالأرقام المجرّدة يعتبر استثمارا ذا جدوى.

الرهان على القدرة على توجيه دفة السياسة الامريكية وقرارات ترامب

قبيل الحرب على ايران كان نتنياهو في ذروة تأثيره على القرار الأمريكي مسنودا بتقديرات الجيش والأجهزة الأمنية التي تنبأت بسقوط النظام في الضربة الأولى. تميزت المرحلة التالية للحرب في حينه باتساع الفجوة بين الأهداف الامريكية والإسرائيلية. تنازلت الولايات المتحدة علنا عن هدف اسقاط النظام والذي تمسكت به إسرائيل. فيما بعد استحالت الحرب الى حرب طاقة ذات ابعاد عالمية مستنزفة وتراجعت شعبية ترامب الى أدنى مستوياتها لنحو 36% فيما اتسع نطاق المعارضة للحرب أمريكيا وتصدرت الأجواء مقولة أن نتنياهو هو من أوقع ترامب في شرك الحرب رغم نفي الأخير لذلك. 

اثبت قرار إدارة ترامب بوقف إطلاق النار مع إيران ومن ثم بين إسرائيل وحزب الله الى أن القرارات بصدد انهاء الحرب هي أمريكية بامتياز وليست حتى مشتركة أمريكية إسرائيلية. وقف إطلاق النار في لبنان ومن ثم تمديده انما وضع نتنياهو في مأزق العاجز عن التأثير وذلك في نظر جمهور أنصاره. كما ان وضعية إسرائيل قبل الحرب تراجعت ضمن التراجع في وضعية الولايات المتحدة قياسا بما سبق الحرب. وإذ انتقلت الولايات المتحدة الى التفتيش عن مخارج من الحرب بقي موقف حكومة نتنياهو يدفع نحو استئنافها للحيلولة دون التوصل الى اتفاق امريكي إيراني مهما كان.

سادت في الأيام الأخيرة تقديرات إسرائيلية مفادها ان تجدد الحرب المكثف على إيران هو قاب قوسين او أدنى، حتى الاعلام الإسرائيلي قام بإعداد الرأي العام لمثل هذا التحوّل، إضافة الى التصريحات الصادرة عن المستويين السياسي والأمني والتي أضافت بعدا آخر وهو مستوى التنسيق الوثيق بين نتنياهو وترامب. الا ان تصريحات ترامب الأخيرة يوم 6 أيارمايو قلبت الأمور رأسا على عقب، بتأكيده على احتمالية اتفاق وشيك مع إيران على إطار تفاهمات. أدى هذا التحول الى ارباك إسرائيلي رغما عن التصريحات بأن الخطوة الامريكية معروفة لنتنياهو مسبقا.

تسود قناعة في الرأي العام الإسرائيلي وفي الاعلام بأن منسوب الأثر الإسرائيلي على قرارات ترامب في تراجع متسارع، وبأن الولايات المتحدة تعود الى نهج "أمريكا اولاً" وتبني سياساتها مقابل إيران بما يتماشى مع أولوياتها وليس الأولويات الإسرائيلية، الامر الذي يعمق مأزق نتنياهو امام جمهوره.

لا يتنازل نتنياهو عن مساعيه في التأثير على القرار الأمريكي في حال وجد أية ثغرة يستطيع استخدامها كفرصة للدفع نحو الحرب. في مواجهة الارباك الكبير الذي أحدثه قرار ترامب وقد يعصف بمصير نتنياهو السياسي، فقد راهن الأخير على تحدي الضوء الأحمر الأمريكي في لبنان، وسعي الجيش لاستهداف قائد قوة رضوان من خلال غارة نوعية في بيروت، وباعتبار الامر لا يخص الدولة اللبنانية وفقا لنتنياهو. يبدو ان المسعى ابعد من اغتيال مسؤول عسكري ميداني بل للتأثير على مجمل المسار الأمريكي مقابل إيران. تفيد معظم التقديرات بما فيها الإسرائيلية بأن الاستهداف لن يكون بمقدره تعويق المسار الأمريكي الإيراني. كما يبدو ان استهداف نجل خليل الحية القيادي في حماس لن يشعل الأوضاع في غزة مجددا وبشكل كثيف امام المساعي المصرية والسعودية والقَطَرية والتركية لإيجاد صيغة تكسر الجمود في المفاوضات والولوج في المراحل المتقدمة من انهاء الحرب على غزة.

الرهان على الحرب كرافعة انتخابية

بخلاف ما حدث بعد حرب الاثني عشر يوما على إيران في تموزيوليو 2025 والتي رفعت من أسهم نتنياهو الانتخابية وبلغ ذروة شعبيته منذ 7 تشرينأكتوبر 2023، فإن الحرب على إيران (حرب الشهرين) والتي تحولت الى حرب استنزاف وبعيدة عن الحسم والتي أشعلت الجبهة اللبنانية، قد أفقدت نتنياهو الكثير من رصيده الشعبي وحصريا بين جمهور أنصاره في اعقاب وقف إطلاق النار على الجبهتين بقرار امريكي صرف.

كما ان الرهان على القدرة في تطويع الدولة اللبنانية باتجاه موافقة الرئيس اللبناني جوزيف عون على لقاء نتنياهو في واشنطن ليظهر الأخير كصانع سلام ابراهيمي، وفي ذات الوقت يتحدى بمثل هكذا لقاء قرار محكمة الجنايات الدولية باعتقاله، كل ذلك تراجع مقابل الموقف اللبناني السيادي الواضح الذي نأى عن نفسه عقد مثل هكذا لقاء بكل تداعياته.

يواجه نتنياهو حاليا مأزقا سياسيا قد يطيح به، بحيث لا يستطيع اقناع الراي العام الإسرائيلي ولا حتى اليميني بأن الحرب قد حققت أهدافها، او أن وضع إسرائيل الأمني لم يتراجع قياسا لما قبل الجولة الأخيرة من الحرب. في المقابل تعود الحرب على غزة والمطالبة بلجنة تحقيق رسمية في اخفاق 2023 الى الواجهة الانتخابية وهي ما اعتقد نتنياهو بأن الحرب على ايران ولبنان سوف تكون رافعته السياسية لسحب الإخفاق المذكور من جدول اعمال الانتخابات.

في الخلاصة:

هناك تراجع في الرهانات الكبرى التي اعتمدها نتنياهو بما يخص التموضع الجيوسياسي والاستثمار في الشراكة الحربية مع الولايات المتحد وفي الاستحواذ على حصة مركزية من السعي الدولي لايجاد ممرات تجارة وطاقة عالمية بديلة عن مضيق هرمز وباب المندب والممرات التقليدية بما فيها قناة السويس. لغاية الان تبدو الغلبة للمشاريع العربية والإقليمية لمد أوروبا بالطاقة ولممرات التجارة المتبادلة بينها وبين دول جنوب اسيا.

أخفقت التقديرات الإسرائيلية باحتمالية تطويع الدولة اللبنانية للشروط الإسرائيلية الأمنية والسياسية، ولا تبدو إمكانية حقيقية للقاء يجمع نتنياهو بالرئيس جوزيف عون في واشنطن، وذلك نظرا للموقف اللبناني السيادي.

منذ اعلان وقف إطلاق النار مع ايران ومن ثم في لبنان، يتراجع منسوب الأثر الإسرائيلي ممثلا بنتنياهو على ترامب وادارته في تحديد الأولويات واتخاذ القرار الأمريكي، والذي لا يملك نتنياهو القدرة على عدم الإذعان له. فعليا الولايات المتحدة هي من يدير دفة القرار الإسرائيلي وليس العكس.

بإمكان نتنياهو ان يجيّر لصالحه اهتمام دول عديدة في العالم وتشمل دولا عربية في المغرب العربي والخليج بالمنظومات الدفاعية الإسرائيلية، وهو ما يجد تعبيرا عنه في مضاعفة عدد الشركات المعتمدة لتصدير المنظومات الأمنية. في المقابل تواجه إسرائيل إحجاما دوليا عن التزود بمنظوماتها الهجومية وذلك نتيجة للمقاطعة بسبب الحرب على غزة.

انتخابيا يعود ملف غزة وفلسطين الى الصدارة ومعه المطالب بلجنة تحقيق رسمية في اخفاق السابع من أكتوبر 2023، وهو ما سعى نتنياهو الى استبعاده عن جدول اعمال الانتخابات، كما انه لا يحظى لغاية الان بأي دعم من إدارة ترامب لصالح بقائه في الحكم ويبدو أن الرهان الأمريكي سيكون في غير صالحه، وحصريا تيار "ماغا" (لنجعل أمريكا عظمى مجددا) ونهج "أمريكا أولاً".

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio