خاطرة

سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت

رانية مرجية 11:27 06/05 |
حمَل تطبيق كل العرب

بعض الناس لا يحتاجون إلى عمر كامل كي يتركوا أثرهم فينا.

يكفي أن نعبرهم مرتين، مصادفةً، ثم يظلون في الداخل كأنهم أقاموا هناك منذ الأزل.

التقيتُ سامية حكيم، أم المنذر، مرتين فقط، قبل نحو عشرين عامًا، في نشاط حزبي في الناصرة. كان المكان مزدحمًا بالوجوه والكلمات والسجائر الباردة وأكواب القهوة السريعة، وكانت البلاد يومها تشبه قلبًا متعبًا يبحث عن معنى إضافي للصمود. لا أتذكر كل الذين كانوا هناك، ولا ما قيل على المنصة، ولا حتى تفاصيل ذلك المساء البعيد، لكنني أتذكرها هي بوضوح مؤلم، كأن الذاكرة اختارتها وحدها لتنجو من النسيان.

دخلت المكان ببساطتها التي لا تشبه أحدًا. لم تكن تمشي كسياسية تعرف أن العيون عليها، بل كامرأة تعرف الناس ويعرفونها، امرأة جاءت من تعب الحياة الحقيقي، لا من شعاراتها. كانت تبتسم للجميع، تلك الابتسامة التي لا تؤدي واجبًا اجتماعيًا، بل تفتح بابًا داخليًا للطمأنينة. وحين صافحتني، شعرتُ للحظة أن يدها ليست يد امرأة واحدة، بل يد أمّ كاملة، يد تعرف كيف تربّت على التعب دون أن تُهينه.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

كان في وجه سامية حكيم شيء نادر: قوة لا تُخيف، وحنان لا يُضعف. وهذا أجمل ما يمكن أن تملكه امرأة عبرت النضال والحياة والناس. كثيرون يصيرون قساة حين يكبر وجعهم، أما هي فبقيت دافئة، كأنها كانت تقاوم الخراب باللطف، وتقاوم القسوة بالاحتواء.

لم تكن أم المنذر مجرد ناشطة سياسية أو أول امرأة تدخل بلدية الناصرة. هذه تفاصيل يمكن أن تكتبها الصحف في سطور قليلة. أما الحقيقة الأعمق، فهي أنها كانت امرأة نجحت في أن تجعل السياسة أكثر إنسانية. لم تكن تفصل بين الوطن والناس، بين القضية والخبز اليومي، بين الموقف والحياة. كانت تعرف أن النضال الحقيقي ليس فقط أن تهتف عاليًا، بل أن تبقى قريبة من البشر رغم كل الخيبات.

أتخيلها الآن، بعد كل هذه السنوات، تمشي في شوارع الناصرة القديمة، تعرف أسماء الناس واحدًا واحدًا، تسأل عن أمهاتهم وأولادهم، تحمل همّ المدينة كما تحمل الأم رضيعها المتعب. بعض النساء لا يصنعن حضورًا عابرًا؛ بعضهن يتحولن إلى ذاكرة جماعية، إلى ظلّ آمن في مدينة مزدحمة بالخوف.

وربما لهذا كان رحيلها مؤلمًا حتى لمن لم يعرفوها طويلًا.

لأن الأرواح الصادقة تُشعرنا، ولو للحظات قليلة، أن هذا العالم يمكن احتماله.

منذ سمعتُ خبر رحيلكِ يا أم المنذر، وأنا أفتش في ذاكرتي عمّا قلتهِ لي يومها.

لا أتذكر الكلمات.

أتذكر فقط نبرة صوتكِ، ودفء يدكِ، وطريقتكِ في النظر إلى الناس كأنكِ تخافين عليهم جميعًا.

أتذكر أنني خرجتُ من ذلك اللقاء وأنا أشعر، دون سبب واضح، أن الدنيا أقل قسوة.

وهذا ما يفعله الطيبون دائمًا.

يمنحوننا، من حيث لا يدرون، قدرة إضافية على الاحتمال.

سلامٌ عليكِ في غيابكِ الثقيل.

سلامٌ على قلبكِ الذي اتّسع للناس وللوطن وللتعب الطويل.

سلامٌ على تلك البشاشة التي قاومت العمر والخذلان ولم تنطفئ.

أما الناصرة، فأظنها تعرف الآن أنها فقدت امرأة

لم تكن تشبه المناصب،

بل كانت تشبه البيت

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio