مقالات

"عجقة" الاحتفاء بالتصريحات الإسرائيلية وإعادة إنتاج الخطاب وتشكيل الوعي

ساهر غزاوي  23:05 30/04 |
حمَل تطبيق كل العرب

ليس في ذاته أمرًا سلبيًا أن تنشغل وسائل الإعلام العربية – ومنها الفلسطينية، وكذلك المحلية في الداخل – بنقل تصريحات صادرة عن مسؤولين إسرائيليين، لا سيّما أولئك الذين ينتمون إلى ما يُعرف بـ"النواة الصلبة" للنظام الحاكم سابقًا. ومن بين هذه التصريحات، ما صدر عن تامير باردو، الذي شغل رئاسة جهاز الموساد بين عامي 2011 و2016، حين قال: "ما رأيته هنا اليوم ذكرني بالمحرقة". جاءت هذه الكلمات عقب جولة ميدانية في الضفة الغربية المحتلة، اطلع خلالها على اعتداءات نفذها مستوطنون بحق فلسطينيين، شملت عنفًا جسديًا وتخريبًا للممتلكات ووقائع أخرى وصفها بالصادمة. ولم يكتف باردو بعرض ما شاهده، بل عبّر أيضًا عن شعور عميق بالخجل، معتبرًا أن هذه الممارسات تتناقض مع القيم الإنسانية، بل وتعيد إلى الذاكرة صورًا تاريخية مؤلمة من اضطهاد اليهود في أوروبا. كما سبق له أن وجه انتقادات حادة لسياسات إسرائيل، مشيرًا في سياقات أخرى إلى أنها تقترب من نظام فصل عنصري في الضفة الغربية المحتلة.

بالعادة، يأتي هذا الانشغال الإعلامي العربي والفلسطيني بمثل هذه التصريحات انطلاقًا من اعتبار أن هذه الأصوات لا يمكن التعامل معها على أنها هامشية أو عابرة، بل تصدر عن شخصيات تشكلت داخل مؤسسات القوة ("النواة الصلبة")، وأسهمت في صياغة سياسات الدولة وأجهزتها. ومن هنا، تكتسب هذه التصريحات وزنًا خاصًا، لا بسبب مضمونها فحسب، بل أيضًا بسبب موقعها في بنية السلطة والخبرة التي راكمتها داخلها.

غير أن هذا التلقي لا ينفصل عن منظومة مفاهيمية أوسع استُعيرت، في جانب كبير منها، من الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي والغربي، والتي تقوم على تقسيم الحقل السياسي إلى معسكرات "يمين" و"يسار"، باعتبارها تعبيرًا عن تمايزات جوهرية في الرؤى والسياسات. غير أن هذا التصنيف، حين يُنقل إلى السياق الفلسطيني والعربي دون تفكيك شروطه التاريخية والسياسية، يتحول من أداة تحليل إلى إطار مُضلل يُعيد تشكيل الوعي وفق منطق غير منبثق من التجربة ذاتها.

ويتعزز هذا التبني في سياق الواقع السياسي في الداخل، لا سيّما لدى الأحزاب المشاركة في الكنيست، التي تروّج لفكرة أن الخلاص يمر عبر صناديق الاقتراع، وتلتقي – بدرجات متفاوتة – مع عناوين مشاريع التسوية التي وُلدت ميتة منذ اتفاقية أوسلو وما تلاها. وقد أسهم هذا المسار في إنتاج حالة تراكمية من الانزياحات المفاهيمية، نقلت النقاش من فهم الصهيونية كبنية استعمارية إحلالية متكاملة، إلى التعامل معها كفسيفساء تيارات يمكن المفاضلة بينها أخلاقيًا، وكأن جوهر المشروع لم يعد هو القضية المركزية. بل وصل الأمر، في بعض الخطابات، إلى حد المفاضلة داخل الأجهزة الأمنية ذاتها، وكأننا أمام "شاباك" متعدد الاتجاهات – يميني ويساري – لا أمام جهاز يعمل ضمن منطق مؤسسي واحد، مهما اختلفت واجهاته أو لغته.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ومن هنا، فإن نقل هذا التقسيم إلى السياق الفلسطيني والعربي، دون مساءلة شروطه وسياقاته، يفضي غالبًا إلى قراءة تُوحي بوجود تعارض بنيوي بين هذه المعسكرات، في حين أن الفوارق بينها، في كثير من الأحيان، تتعلق بأساليب الإدارة وحدودها، لا بجوهر المشروع ذاته.

في هذا الإطار، تُدرج تصريحات تامير باردو، التي يُحتفى بها عربيًا وإعلاميًا، ضمن سردية مألوفة تُبرز ما يُقدم على أنه "الوجه اللطيف" للصهيونية، في مقابل يمين يُوصف بالعنف والتطرف. غير أن هذه المقاربة لا تخرج، في جوهرها، عن إعادة إنتاج الخطاب ذاته الذي يُفترض نقده، إذ تُقدم التباينات داخل المؤسسة الحاكمة على أنها انقسام بين مشروعين متناقضين، لا باعتبارها اختلافًا داخل منظومة استعمارية واحدة تتناوب أجنحتها على إدارة الهيمنة، وتختلف في أدواتها وخطابها، دون أن تُسائل الأسس التي تقوم عليها.

وفي ضوء ذلك، لنا أن نسأل: هل تُرجمت هذه التصريحات الرمزية الصادرة عن "أبناء المؤسسة" إلى أثر فعلي على الأرض، أم بقيت ضمن حدود الخطاب الإعلامي؟ الواقع يشير إلى أنها لم تجد طريقها إلى تغيير ملموس، وبقيت في إطار التداول الإعلامي، دون أن تنعكس على السياسات أو الممارسات.

وفي سياق هذا الاحتفاء، لا بد من الإشارة إلى أن ثمة جهدًا معرفيًا جادًا تبذله بعض مراكز الدراسات والأبحاث المعنية بالشأن الإسرائيلي، إلى جانب عدد من الباحثين والكتّاب الذين يسعون إلى تقديم قراءات معمّقة للتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي وبنيته السياسية. وهذه الجهود تظل ذات قيمة، ويمكن البناء عليها معرفيًا وتحليليًا.

غير أن هذا المستوى لا يزال، في كثير من الأحيان، لا ينعكس بصورة كافية في المشهد الإعلامي العربي والفلسطيني، بما فيه المحلي في الداخل. إذ يطغى نمط من التناول يقوم على استهلاك ما يُنتج في الإعلام الإسرائيلي أكثر من تفكيكه أو إعادة إنتاجه نقديًا. وتظهر هذه الظاهرة في المساحات المخصصة لما يُعرف بـ"الإسرائيليات"، حيث يغلب النقل والترجمة الحرفية، لا سيّما لمقالات الرأي، دون جهد تحريري يُعيد صياغتها أو يضعها في سياقها الأوسع. وهكذا تُقدم هذه المواد كأنها معرفة جاهزة أو مادة تستحق الاحتفاء، كما يحدث في التعاطي مع تصريحات من هذا النوع.

ولا يتعلق الأمر هنا بانتقاد الترجمة في ذاتها، بل بطريقة توظيفها. فحين تتحول إلى بديل عن العمل الصحفي والتحليلي، وتُقدم دون مساءلة أو تفكيك، فإنها تسهم، من حيث لا تقصد، في إعادة إنتاج السردية ذاتها التي تنطلق منها. وفي المحصلة، يتراجع الدور النقدي للإعلام لصالح نقل شبه آلي، يكتفي بعرض المواقف كما هي، بدل مساءلتها ووضعها في سياقها السياسي والمعرفي. 

وعليه، فإن التحدي لا يكمن في نقص المواد أو المصادر، بل في كيفية التعامل معها، هل تُستخدم لبناء معرفة نقدية تُسائل البنية والخطاب، أم تُعاد تدويرها في صورة محتوى سريع الاستهلاك؟ هنا يتحدد الفارق بين إعلام يكتفي بالنقل، وآخر يسعى إلى الفهم والتحليل وإنتاج المعنى.

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio