ما هو مدى تأثير حياة الشاعر على ما ينتجه ويقدمه من شعر إلى قرائه، هل يؤثر عليه منشؤه وبيئته والى اي مدى..، هل توجد حدود ابداعية يمكث رهنها، ولا يبرحها، باي لغة يكتب الشاعر قصيدته الحديثة، وايهما يكتب الاخر، الشاعر ام القصيدة. الشاعر السوري اللبناني، العربي اولا وقبل كل شيء نزار قباني يطرح في سيرته الذاتية الموسومة بعنوان "قصتي مع الشعر" ، هذه الاسئلة وغيرها ضمن محاولة لقطع الطريق على من قد يبادر الى كتابتها ،كما هي.. وكما قد يخيل اليه ويتصور، كما يقول.
ضمن عودتي الى كتب مؤثرة، سبق وقرأتها في الماضيين القريب والبعيد، عدت هذه الايام لقراءة سيرة هذا الشاعر البارز ذي المكانة الخاصة في شعرنا العربي الحديث، عدت لقراءة سيرته هذه، وانا اتذكر جيدا ما عهدته عنه، وما رد به علي الصديق الكاتب الشاعر الراحل طه محمد علي، اجابة عن سؤال كنت قد وجهته اليه، بعد عودته الى ناصرتنا، في اعقاب نشاطات وفعاليات شعرية احتضنتها العاصمة البريطانية لندن.. في الماضي البعيد، وشارك فيها/ طه، جنبا إلى جنب مع العديد من ابرز الشعراء العرب، اذكر انه قال لي، انه يوجد لكل من الشعراء العرب جمهوره الخاص به، بايتثناء نزار قباني، فان جمهوره هو كل الجماهير العربية.
يكتب نزار قباني(٢١ اذار١٩٢٣- ٣٠ نيسان ١٩٩٨)، قصته مع الشعر بلغة شعرية جزلة، عهدها القارئ العربي جيدا، وطالما لفتت اهتمام الكثيرين ومنهم كاتب هذه السطور، ومما يريد في مطالع قصته هذه، نفيه انه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، او انه مولود في بيئة برجوازية غنية. يقول ان والده توفيق قباني، عمل في صناعة الحلوى، وانه عرف بميوله الوطنية، مشيرا في اكثر من صفحة وفقرة، ان والده كان يقدم كل ما يمكنه دعما لمناهضي الوجود الفرنسي المفروض بالقوة في بلاده سوريا، ويتحدث عن احد ابناء عائلته، ابي خليل القباني، أحد رواد المسرح العربي ومؤسسيه الاوائل في عالمنا العربي المحيط بنا، وعما واجهه من وشايات ومؤامرات، هدفت الى عرقلة مسيرته المسرحية، وثنيه بالتالي، عن مسيرته الفنية الوطنية المظفرة، الأمر الذي دفع به للهجرة الى العاصمة العربية المصرية القاهرة لمواصلة تلك المسيرة، التي ابتداها بترجمته مسرحيات فرنسية وقفت في مقدمتها مسرحية" البخيل" ، للكاتب الفرنسي المسرحي الساخر موليير، وتقديمها على الخشبة المسرحية ليشاهدها الناس في تلك الفترة. اما عن البيئة التي نشأ فيها/ قباني، فانه يقول انها كانت بيئة حادبة حانية ومحبة، ويذكر بكثير من الشجن والاسى اخته الكبرى "وصال" ، واصفا اياها بانها سهيدة زقائلا انها قتلت نفسها لانها لم تتمكن من الارتباط لحبيبها.
اما عن حياته الشخصية الخاصة، فيقول انه بعد ان تلقى دراسته الجامعية في موضوع الحقوق، التحق، وهو لما يتجاوز العشرين من عمره، بالسلك السياسي الدبلوماسي لبلاده، ليعمل ملحقا في سفارتها في القطر العربي المصري، وليتنقل فيما بعد من دولة الى اخرى، ابتداء من الصين وانتهاء بإسبانيا، ويبقى عاملا في السلك السياسي المذكور سفيرا لبلاده، ليصدر في اواسط الاربعينيات مجموعته الشعرية الاولى "قلت لي السمراء"، وليتبعها بمجموعة اخرى واخرى، الى ان يقرر بعد حوالي الثلاثة عقود، الاستقالة من عمله السياسي، ليتفرغ بالتالي للإنتاج الادبي الشعري، ويقول في تعليق له على كونه شاعرا وعاملا في السلك الدبلوماسي، انه التقى بالكثير الكثير من الشخصيات السياسية وان هؤلاء عادة ما كانوا يبدون تقديرهم له، كونه واحدا من شخوص مملكة الشعر المبجلة، ويقول في موقع آخر فيما يتعلق بالموضوع ذاته، ما مفاده ان الشعر ابقى من السياسة، وانه لولا المتنبي لما ذكر سيف الدولة الحمداني.. والى مدينة حلب وحاكمها آنذاك.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });يقول هذا كله عن سيرته ومسيرته الشخصية، اما عن مسيرته الشعرية، فإنه يشير الى ما يواجهه المبدع العربي عامة والشاعر خاصة، من معاناة جراء الازدواجية اللغوية، فهو يعيش ويفكر بالعامية، ويكتب بالفصحى، ويقترح بعد مناقشة مستفيضة لهذه القضية المعقدة، حلا يراه مناسبا، يتمثل بان يمزج في كتابته الابداعية بين العامية والفصحى ويكتب بلغة يطلق عليها اسم اللغة الثالثة، وهو ما يذكر باقتراح تقدم به ومارسه الكاتب العربي المصري توفيق الحكيم.
صمن مسيرته الابداعية الشعرية، يتوقف مطولا عند وسمه بصفة شاعر المراة، متحفظا على هذه الصفة حينا وراضيا بها حينا اخر، وفي التفصيل يقول ان هذه الصفة غير دقيقة، مشيرا الى انه كتب في اواسط الخمسينيات قصيدته النقدية الساخنة "خبز وحشيش وقمر"، وانه تعرض الى نقد شديد، كونه وجه سهام امتعاضه الى الاسترخاء العربي، والاستسلام للأقدار والغيبيات ممثلة بعنوان قصيدته تلك ذاته. اما فيما يتعلق بالمرأة فانه يقول انه كرس الكثير من شعره للانتصار لها موحيا انه انما فعل ذلك ليمنح الطائر العربي حلم ان يحلق بجناحين اثنين، الرجل والمرأة، وليس بجناح واحد.. الرجل فقط..
بعدها يتوقف مطولا أيضا، بعد انفعاله الشديد في اعقاب نكسة عام ٦٧ ، والاندحار العربي قبالة الرمي الإسرائيلي المباغت، وكتابته قصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة" ، وما اثارته من ردود فعل غاضبة في المجتمع الثقافي السياسي المصري، ومطالبة البعض بمنعه من دخول مصر، ومن بث ما كتبه من قصائد واغان، سبق وصدحت بها اصوات مصرية شهيرة منها محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة، الامر الذي دفع به لان يكتب الى الرئيس المصري في حينها جمال عبد الناصر، ويقدم قباني احترامه وتقديره الكبيرين لعبد الناصر الذي امر من ناحيته، بانصافه شاعرا وابقاء وضعه واحترامه في المجتمع المصري كما كان، مرحبا به.. شخصيا وفنيا.
يلفت النظر في قصة نزار قباني هذه مع الشعر، ذلك الفصل الذي يكرسه صاحبها، لكيفية كتابته ما انجزه في مجال قصيدته الشعرية، يقول انه لا يوجد هناك في اللعبة الشعرية قواعد مسلم بها، وانه يوجد لكل شاعر قاعدته الخاصة به، اما فيما يتعلق به، فانه يقر بانه لا يفكر في قصيدته مسبقا، وانه قد يكون لديه ما يود قوله، غير انه لا يعرفه بالضبط، الا بعد ان تكتمل كتابته له، منوها انه لا يكتب القصيدة الا بمدى ما تكتبه هي. ويؤكد فيما يتعلق بهذا كله انه من طبيعة الشاعر ان يكون معارضا، جازما ان كل مبدع حقيقي، انما هو صوت معارض، وانه لا قيمة لكاتب او شاعر يحلس في صفوف الموالين ويصوت مع الاكثرية ويرفع يده موافقا على المشاريع التي وضعها ابو سفيان وهذا سؤال اخر.. اكثر تعقيدا.. قد نعود اليه. وقد لا نعود.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio