فلسفة الوجود وجماليات المقاومة- قراءة نقدية في رواية "إلى أن يُزهِرَ الصَّبَّار" للكاتبة ريتا عودة
بقلم: د. أحمد كامل ناصر
في قراءتي المتأنية لرواية "إلى أن يُزهِرَ الصَّبَّار" للكاتبة الفلسطينيّة ريتا عودة، وجدتني أقف أمام "مانيفستو" وجوديّ وإنسانيّ يتجاوز حدود السرد التقليديّ ليعيد صياغة الوجع الفلسطينيّ بوعي كونيّ رصين، نصّ لا يكتفي بنقل الواقع، إنّما يعيد اختراعه عبر عدسة الأدب المقاوم. تبدأ أحداث الرواية الحقيقيّة من نقطة التمزّق والبحث؛ حيث نتابع قصّة "آدم" و"حياة" (حواء النصّ)، اللذين يجمعهما عشق استثنائيّ يتقاطع مع سيرة وطن وجغرافيا مثخنة بالجراح. تدور الرحلة السرديّة بين الناصرة وحيفا واللد، وتتعمّق في تفاصيل الذاكرة الفلسطينيّة بدءًا من مأساة الاقتلاع وصولاً إلى الهزات الكبرى مثل "يوم الأرض" ومظاهرات الطلاب في جامعة حيفا عام 1979.
آدم، الذي يعاني من تيه الروح وفقدان "ضلعه" المفقود، يحاول استعادة "حياة" التي تمثل له الملاذ والوطن، بينما تخوض "حياة" معركتها الخاصّة مع الذاكرة والواجب والتحولات السياسيّة التي تعصف بهويتها في ظلّ القبضة الأمنيّة والمطاردات التي صبغت تلك المرحلة التاريخيّة من حياة الفلسطينيين في الداخل.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });إنّ هذا التوسع في سرد الأحداث يقودنا مباشرة إلى تحليل "جدليّة الثقة والوشاية" التي تسيطر على مناخ الرواية وتمنحها بعدًا دراميًا عميقًا. فالكاتبة لم تكتف بتقديم قصّة حب، لكن جعلت منها "مختبرًا أخلاقيًا"؛ فنحن نتابع من خلال الرسائل المهربة واللقاءات الخاطفة كيف تتسلّل "الأفعى" (رمز الخيانة والاندساس) إلى الفردوس المناضل، مما يثير تساؤلات حارقة حول كيفيّة تشوّه الطهرانيّة النضاليّة بفعل الشكّ.
هذا البعد "البوليسيّ" النفسيّ في الرواية يخدم المضمون السياسيّ ببراعة؛ فال- ........ لا يواجهنا من الخارج فقط، إنّما من خلال أدواته التي تحاول تفكيك نسيج الثقة بين الرفاق وبين العشاق. ومنذ العتبة الأولى للنصّ، تضعنا الكاتبة أمام ثنائيّة "آدم وحواء" في سياق معاصر وشديد الخصوصيّة، حيث تقول الرواية في اقتباس مفتاحيّ يختصر فلسفة الوجود: "ما زال آدم يبحث عن حوّائه هنا وهناك، دون أن يفطن أنّها داخل ضلوعه مقيمة. لا يكون العشق عشقا إلا حين تكتمل الدائرة بعودة حواء إلى القفص الصدريّ لآدم.. حيث الحنان.. حيثُ الأمان". إن تحليل هذا الاقتباس لغة ومضمونًا يكشف عن عمق المأساة؛ فـ "حواء" هنا ليست مجرّد امرأة، بل هي "الأرض المقتطعة" من جسد صاحبها، والعودة إليها ليست خيارًا عاطفيًا، بل هي "ضرورة بيولوجيّة" لاستقامة الحياة، مما ينقل الصراع من حيّز السياسة الجافّة إلى حيّز الجسد والروح، ويجعل القضيّة ال".........." قضيّة "كيان" لا قضيّة "حدود".
أمّا لغة الرواية، فهي لغة "تحرّض على التأمّل"، لغة شاعرة تجمع بين رقّة البوح وصلابة الموقف، وقد اعتمدت الكاتبة أسلوب "الهايكو الروائيّ" و"الومضة المكثفة" التي ترفض الثرثرة السرديّة. نجدها تقول في إشراقة لغويّة: "حبيبتي.. هي الوردة التي أنا عطرها. من شرق الشوق كما الحلم أتت، ومن غروبه مع المغيب غابت ولمّا تعد". اللغة هنا لا تصف الغياب، لكنها "تجسده" عبر تضاد الاتجاهات (شرق/غرب) الذي يعكس التمزّق الجغرافيّ والزمانيّ. هذا التكثيف هو "الجديد" في الشكل والأسلو.
، فهو يذهب مباشرة إلى "جوهر الوجع". كما أنّ استخدام تقنيّة "البوليفونية" (تعدد الأصوات) منح النصّ طابعًا ديمقراطيًا؛ حيث نرى الحكاية بعين "آدم" تارة، وبعين "حياة" تارة أخرى، مما يكسر سلطة "الراوي العليم" ويجعل القارئ شريكًا في استنتاج الحقيقة الضائعة بين ثنايا التاريخ والرسائل المهربة التي تحولت من أدب مراسلات غراميّ إلى "شفرات ثوريّة" تحمل همّ الجماعة.
وتتوسع الرواية في طرح قضيّة "المرأة المقاومة"؛ فـ "حياة" في النصّ ليست "ضلعًا قاصرًا" ينتظر الإنقاذ، بل هي الذات الفاعلة التي تقود المظاهرات وتصيغ البيانات وتواجه التحقيق بصلابة أسطوريّة، وهي بذلك "أنثى القصيدة" التي تحولت إلى "أنثى الميدان". هذا التحول هو ردّ اعتبار للمرأة الفلسطينيّة التي كانت دائمًا في قلب العاصفة. كما أنّ الكاتبة جعلت من "المكان" (الناصرة، حيفا، اللد) بطلاً أنثروبولوجيًا ينبض بالحياة، حيث تصف الشوارع والأزقة بأسلوب يجعلها تشارك في الأحداث، ترفض الغرباء وتتمسّك بأسماء أصحابها الأصليين وروائح زيزفونها وتينها.
هذا البناء الفنيّ يعتمد بشكل أساسيّ على "التناص الواعي"؛ وحين تقتبس الكاتبة كلمات توفيق زياد: "كأننا عشرون مستحيل.. في اللدّ والرملة والجليل.. إنـَّا هنا باقون.. فلتشربوا البحر"، فإنها لا تستدعي الشعر للزينة، لكن لتؤكّد أنّ الأدب هو الحارس الأمين للذاكرة، وهو الجسر الزمنيّ الذي يربط جيل ال"......." بجيل الحاضر، مما يمنح الرواية استمراريّة تاريخيّة مذهلة.
الجديد في الرواية شكلاً ومضمونًا هو قدرتها على دمج "الصوفيّ" بالسياسيّ؛ فالأرض "مقدسة" والعشق "صلاة"، والمقاومة "فعل إيمان". وتأتي سيميائيّة "الصبّار" في العنوان لتلخص هذه الرحلة؛ فالصبر في الثقافة الشعبيّة هو "تحمل الألم"، لكنّه عند ريتا عودة "طاقة انفجار" مؤجلة، ولحظة "إزهار" تعني الانعتاق التام. وكما تقول الرواية في نبرة نبوئيّة صاعقة في خاتمتها: "أفضل أن يراجع المضطهد الحساب.. من قبل أن ينفتل الدولاب.. لكلّ فعل:- …اقرأوا ما جاء في الكتاب".
إنّ هذا التحذير الموجّه لل"........" ليس مجرّد وعيد سياسيّ، إنما هو قراءة في "حتميّة التاريخ" التي صدّرت بها الكاتبة روايتها. وفي الختام، تبرز أهمية هذه الرواية في تحريك المشهد الأدبيّ لأنّها استطاعت أن تنقل "الرواية الفلسطينيّة" من حيّز "التوثيق" إلى حيّز "الفلسفة والجمال"، مؤكدة أنّ الحق الذي يقف وراءه أدب رفيع وتضحيات نبيلة هو حقّ لا يموت، وأنّ الصبّار سيزهر حتمًا حين تكتمل دائرة العشق بالعودة الحتميّة إلى "القفص الصدري" للوطن...
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio