مقالات

الاستيطان… منظومة قمع تُدار بقوة السلاح وبغطاء رسمي/ بقلم: محمد دراوشة 

محمّد دراوشة 15:31 10/04 |
حمَل تطبيق كل العرب

كل فلسطيني يعيش في الضفة الغربية اليوم يدرك أن ما يجري ليس مجرد “خلاف سياسي” أو “نزاع على الأرض”، فهذه المصطلحات تُخفّف من حقيقة الواقع وتُجمّله. ما يحدث على الأرض هو  حرب ممتدة على الشعب الفلسطيني نفسه، حرب تُستخدم فيها أدوات سياسية وأمنية وميدانية لإعادة تشكيل حياة الناس، والتحكم في حركتهم، وتقييد وجودهم، وتغيير ملامح وطنهم. اختزال هذا الواقع في إطار “نزاع” بين طرفين متساويين في القوة يتجاهل الفارق الهائل في موازين القوى، ويتجاهل أيضًا أن الفلسطينيين يعيشون تحت منظومة تُدار فوق رؤوسهم، لا بمشاركتهم.

البؤر الاستيطانية التي تُقام فوق التلال ليست تجمعات سكنية عادية، بل نقاط ارتكاز تُستخدم لفرض السيطرة على المناطق المحيطة. كل بؤرة جديدة تعني طريقًا جديدًا، وحاجزًا جديدًا، ومساحة فلسطينية تُغلق أو تُقيّد. تُقام بسرعة، أحيانًا خلال ليلة واحدة، ثم تتحول إلى أمر واقع، ثم إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التضييق على القرى المجاورة. وهكذا يتحول الاستيطان إلى شبكة متداخلة تُحاصر القرى الفلسطينية وتُقيّد حياة سكانها.

الاعتداءات التي تتعرض لها القرى الفلسطينية ليست أحداثًا معزولة، بل نمطًا متكررًا يعكس غياب الردع، بل وشعورًا بالحماية من الجيش والحكومة. كثير من الفلسطينيين يروون كيف تُهاجَم قراهم، وكيف تُحرق المزارع، وكيف يُعتدى على الأهالي، بينما تقف القوات العسكرية في المكان لا لتمنع الاعتداء، بل لتأمين محيطه. هذا المشهد المتكرر يعزز القناعة الراسخة بأن المنظومة تعمل لحماية من يفرضون واقعًا بالقوة.

ومن المنظور الفلسطيني، لم يُنظر يومًا إلى القوة العسكرية الموجودة في الضفة الغربية كقوة فصل أو حماية. الواقع يُظهر منظومة تعمل بمنطق السيطرة اليهودية المطلقة. فالدور الذي تمارسه هذه القوة لا يقتصر على إدارة الحواجز أو “حفظ النظام”، بل يتجاوز ذلك إلى فرض واقع سياسي وأمني وجغرافي يخدم مشروعًا واحدًا: تكريس السيطرة على الأرض وعلى حياة الفلسطينيين اليومية.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

هذا الفهم يتعزز عندما تُترك مهام التضييق على القرى الفلسطينية، أو منع الوصول إلى الأراضي، أو فرض واقع جديد، لمجموعات استيطانية تعمل بدوافع أيديولوجية صهيونية دينية، بينما تتولى القوة العسكرية تأمين محيط هذه الأنشطة أو توفير الغطاء لها. وهكذا تتشكل منظومة مزدوجة: قوة رسمية تمتلك السلاح والقرار، ومجموعات ميدانية تُنفّذ على الأرض ما تعجز السياسة عن قوله علنًا. هذا التداخل يضع الفلسطيني تحت أدوات ضغط ليست جهة واحدة، بل شبكة كاملة تعمل بتكامل غير معلن.

وعندما يرى الفلسطيني أن الاعتداءات على قريته لا تُمنع، وأن الوصول إلى أرضه يُقيَّد، وأن حياته اليومية تُدار عبر منظومة من الحواجز والتهديدات، يصبح من الصعب الحديث عن أي الأمل بالسلام. فالصورة التي تتشكل على الأرض ليست صورة قوة تفصل بين طرفين، بل قوة تُعيد إنتاج ميزان قوة مختل، وتُرسّخ واقعًا يُشعر الفلسطيني بأنه مستهدف في تفاصيل حياته اليومية.

إن ما يجري اليوم هو تآكل ممنهج لحق الفلسطيني في العيش بكرامة على أرضه. عندما يُحرم المزارع من الوصول إلى أرضه، وعندما تُحاصر القرى بالطرق الالتفافية، وعندما تُفرض على الناس حياة مليئة بالخوف من الاعتداءات، فإن الحديث عن “سلام” يصبح مجرد شعار فارغ. السلام لا يمكن أن يُبنى فوق منظومة تُشرعن القمع وتُكافئ المعتدي، ولا يمكن أن ينمو في بيئة تُدار فيها الأرض بمنطق القوة وحدها.

وفي الوقت الذي تتجه فيه المنطقة نحو جولات تفاوضية جديدة — بين لبنان وإسرائيل، وبين إيران والولايات المتحدة، ومع توقع دخول السعودية على خط التفاهمات الإقليمية — يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن ترتيبات إقليمية كبرى بينما يُترك الملف الفلسطيني خارج الطاولة؟

إن تجاهل القضية الفلسطينية في لحظة إقليمية حساسة كهذه لا يُعد فقط خطأً سياسيًا، بل تجاهلًا لجوهر الصراع في المنطقة. فكل اتفاق يُعقد دون معالجة جذور الظلم الواقع على الفلسطينيين هو اتفاق هش، قابل للانهيار عند أول اختبار.

المنطقة تتحرك نحو تفاهمات جديدة، لكن استمرار القمع على الأرض الفلسطينية يُناقض أي خطاب يتحدث عن “شرق أوسط مستقر” أو “سلام إقليمي”. لا يمكن بناء منظومة أمنية إقليمية بينما يعيش الفلسطينيون تحت منظومة تضييق يومي. ولا يمكن الحديث عن “سلام شامل” بينما تُدار الضفة بمنطق القوة، وتُترك القرى الفلسطينية تحت تهديد دائم.

إن استمرار ما يجري على الأرض الفلسطينية ليس مجرد تفصيل في مشهد سياسي معقّد، بل جوهر الصراع نفسه. لا يمكن لأي طرف في المنطقة أن يتحدث عن “سلام” أو “استقرار” بينما تُدار حياة الفلسطينيين تحت منظومة قمع يومي، وتُفرض عليهم سياسات تُعيد إنتاج الظلم جيلاً بعد جيل. إن تجاهل هذا الواقع، أو محاولة الالتفاف عليه عبر تفاهمات إقليمية منفصلة، لن يصنع شرقًا أوسط جديدًا، بل سيُبقي المنطقة رهينة انفجارات متتالية.

كل خطوة تُعمّق السيطرة على الفلسطينيين، وكل سياسة تُشرعن التضييق عليهم، وكل صمت دولي أو إقليمي عن معاناتهم، هو وقود إضافي لاستمرار الصراع. ولا يمكن لأي مشروع سياسي — مهما كان حجمه أو عدد الأطراف المشاركة فيه — أن ينجح بينما يُترك الشعب الفلسطيني تحت منظومة تُعامل وجوده كعبء يجب التحكم فيه بدل الاعتراف به كشعب صاحب حق.

إن إعادة الملف الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات ليست “مجاملة سياسية”، بل اختبار حقيقي لصدقية كل خطاب يتحدث عن السلام. فمن يريد شرقًا أوسط مستقرًا عليه أن يبدأ من هنا، من قلب القضية، من الشعب الذي يدفع الثمن الأكبر. أما الإصرار على إدارة الواقع بالقوة، وتجاهل حقوق الفلسطينيين، فهو إعلان واضح بأن المنطقة تُدفع نحو مستقبل لا يحمل سوى المزيد من التوتر والانفجار.

السلام لا يُبنى على القمع. ولا على التجاهل. ولا على تهميش شعب كامل. السلام يبدأ عندما يُعاد الاعتبار للحق الفلسطيني، ويُعاد فتح الباب أمام مفاوضات حقيقية، ويُعاد الاعتراف بأن لا استقرار في المنطقة دون عدالة للفلسطينيين. وأي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة… هو مشروع محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio