مقالات

القائمة التحالفية: لم يعد هناك مجال للمناورة

محمد دراوشة 14:25 09/04 |
حمَل تطبيق كل العرب

لم يعد النقاش حول إقامة قائمة عربية تحالفية ترفاً سياسياً أو خياراً يمكن تأجيله. نحن أمام لحظة فارقة، لحظة يطالب فيها أكثر من 80% من أبناء مجتمعنا بخطوة واحدة واضحة: اتحدوا. هذه ليست رغبة عاطفية ولا نزوة انتخابية، بل صرخة مجتمع يشعر بأن واقعه يزداد صعوبة، وأن الانقسام الحزبي لم يعد مجرد خطأ، بل أصبح عبئاً يهدد قدرتنا على حماية مصالحنا الأساسية.

الشارع العربي اليوم لا يطلب المستحيل. هو يطلب ما يعتبره بديهياً: أن ترتقي القيادات إلى مستوى المسؤولية، وأن تتجاوز الحسابات الضيقة، وأن تدرك أن المرحلة السياسية الحالية لا تحتمل التردد. فالمشهد العام يتجه نحو مزيد من التشدد تجاه المواطنين العرب، ومزيد من التضييق على الحقوق المدنية، ومزيد من السياسات التي تُعرض تعمّق الفجوة بين الدولة ومواطنيها العرب. في ظل هذا الواقع، يصبح الانقسام ترفاً لا يملكه أحد.

منذ مظاهرة سخنين الجبارة ضد الجريمة، شهدت الأسابيع التالية جولات تفاوضية حملت في بدايتها قدراً من التفاؤل. الأجواء كانت إيجابية، والنية المعلنة كانت صادقة. لكن سرعان ما ظهرت لحظات توتر، وارتفعت الأصوات، وعادت لغة الاتهامات التي يعرفها شعبنا جيداً. هذه اللحظات ليست مفاجِئة، لكنها غير مقبولة. فالمجتمع الذي يمنحكم ثقته لا يريد أن يرى قياداته تتصارع على التفاصيل بينما تتآكل حقوقه الأساسية.

من يريد أن يقود شعباً، عليه أولاً أن يضبط أعصابه. ومن يريد أن يفاوض باسم الناس، عليه أن يترك غروره خارج الغرفة. ومن يريد أن يكون جزءاً من مشروع تحالفي، عليه أن يفهم أن التحالف ليس منصة لرفع الصوت أو تسجيل النقاط، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب نضجاً سياسياً وانضباطاً شخصياً.  إرسال مفاوضين مهنيين ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، فالمفاوض الجاد أهم بكثير من مندوب ينشغل بالبحث عن الأضواء بدل التركيز على إنجاح المهمة.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

إن نجاح المفاوضات يتطلب ثلاثة شروط واضحة لا تحتمل التأجيل:

أولاً: حسم آلية تقسيم المقاعد دون مماطلة.  الأساس يجب أن يكون نتائج الانتخابات الأخيرة، مع تعديلات تعكس التغيرات الواقعية في القوة الشعبية لكل حزب. أي محاولة للالتفاف على هذا المبدأ ستُقرأ كبحث عن مكاسب شخصية، لا كمساهمة في مشروع وطني.

ثانياً: اختيار رئيس للقائمة يعكس روح التحالف، لا روح الانقسام.  الرئاسة ليست جائزة ولا غنيمة. هي عنوان القائمة، وصورتها أمام الجمهور. المطلوب شخصية وحدوية، قادرة على جمع الأطراف، لا شخصية تُعيد إنتاج الخلافات القديمة.

ثالثاً: الاتفاق على حدود حرية العمل السياسي بعد الانتخابات. من حق كل حزب أن يحتفظ بهامش من الاستقلالية، لكن من واجبه أيضاً أن يحترم جوهر التحالف. الوضوح في هذه النقطة يمنع الانفجار لاحقاً، ويمنح الجمهور ثقة بأن القائمة ليست صفقة مؤقتة، بل مشروعاً سياسياً متماسكاً.

إن التباطؤ في حسم هذه الملفات ليس مجرد خطأ إداري، بل مخاطرة سياسية. فكل يوم يمر دون اتفاق يضعف ثقة الناس، ويعطي الانطباع بأن القيادات غير قادرة على الارتقاء إلى مستوى اللحظة. وفي المقابل، فإن التقدم السريع والهادئ سيخلق زخماً إيجابياً، ويعيد الأمل إلى جمهور واسع ينتظر منكم خطوة واحدة فقط: أن تتصرفوا كقادة.

لكن تشكيل القائمة ليس الهدف النهائي. الهدف الحقيقي هو تحويل دعم الـ٨٠٪ إلى ٨٠٪ مشاركة فعلية في صناديق الاقتراع. فالقائمة التحالفية، مهما كانت قوية، لن تغيّر الواقع إذا بقيت نسبة التصويت منخفضة. المطلوب حملة سياسية واجتماعية واسعة، تُعيد للناس ثقتهم بأن صوتهم قادر على التأثير، وأن الوحدة ليست مجرد شعار، بل وسيلة لحماية مصالحهم في مجالات مثل مكافحة الجريمة، وتوسيع فرص العمل، وتطوير البنى التحتية، وتحصيل الحقوق المدنية.

إن إقامة قائمة تحالفية ليست خطوة تقنية، بل إعلان موقف. هي رسالة بأن المجتمع العربي لن يقبل أن يكون متفرجاً على تراجع مكانته. هي رسالة بأننا قادرون على تجاوز خلافاتنا عندما تكون المصلحة العامة على المحك. وهي أيضاً رسالة إلى الدولة بأن المواطنين العرب موحدون في مطالبهم، وأنهم يريدون شراكة حقيقية تقوم على المساواة والاحترام.

لقد انتهى وقت المجاملات. انتهى وقت الحسابات الصغيرة. انتهى وقت التردد. الشارع قال كلمته، والكرة الآن في ملعب القيادات.

إما أن ترتقوا إلى مستوى اللحظة، أو تتحملوا مسؤولية ضياع فرصة تاريخية لن تتكرر بسهولة.

  

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio