لم يعد ما يجري في المسجد الأقصى قابلًا للتجميل أو التخفيف. خمسة وثلاثون يومًا من الإغلاق ليست “إجراءً مؤقتًا”، ولا “ظرفًا استثنائيًا”، بل إعلان صريح عن مرحلة جديدة يجري فيها التعامل مع الحرم القدسي كمساحة يمكن إعادة تشكيلها، وتفريغها، وإعادة تعريفها بعيدًا عن قدسيتها الراسخة في وجدان الفلسطينيين والمسلمين.
الأقصى اليوم ليس مغلقًا فقط. إنه محاصر، محجوب، مُبعد عنه أهله، ومسلوب من نبضه اليومي الذي شكّل عبر قرون حصنه الحقيقي. فالمسجد الذي كان يمتلئ بالمصلين قبل الفجر، ويضجّ بالحياة في كل زاوية، تحوّل إلى ساحات صامتة، تُفتح وتُغلق وفق حسابات سياسية لا علاقة لها بالعبادة ولا بالاستقرار.
هذا الإغلاق الطويل ليس فراغًا عابرًا، بل فراغ مقصود. فراغ يُراد له أن يصبح “الوضع الطبيعي الجديد”. فراغ يسمح بتمرير خطوات لم يكن ممكنًا تمريرها حين كان المسجد ممتلئًا بأهله. فراغ يتيح إعادة رسم حدود المكان، وتغيير قواعد الدخول، وتحديد من يحق له أن يكون في ساحاته ومن يُمنع، وكيف، ومتى.
وفي الوقت نفسه، تتقدم داخل الحكومة أصوات تدفع باتجاه تحويل الأقصى من مسجد إسلامي خالص إلى “موقع ديني مشترك”، وهي عبارة تحمل في طياتها مشروعًا كاملًا: تقسيم زماني، ثم مكاني، ثم واقع جديد يُفرض على الجميع تحت عنوان “تنظيم المكان”. الاقتحامات اليومية، الطقوس التلمودية، محاولات إدخال القرابين، كلها ليست تفاصيل. إنها رسائل واضحة تقول إن هناك من يريد إعادة كتابة تاريخ الحرم القدسي من جديد.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });لكن وسط هذا كله، تبقى حقيقة واحدة عصيّة على الإلغاء: الأقصى ليس مساحة فارغة يمكن إعادة هندستها. الأقصى ذاكرة حيّة، وهوية، ورمز روحي لا ينطفئ.
هو أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى النبي محمد ﷺ.
هو قلب القدس، وروحها، وميزان كرامة الفلسطينيين، وعنوان حضورهم في مدينتهم.
هو المكان الذي لا يُقاس بالحجارة، بل بما يمثّله في الوعي الجمعي لأمة كاملة.
ولهذا، فإن أي محاولة لتغيير هوية المسجد أو إعادة تعريف دوره ليست مجرد خطوة سياسية، بل مساس مباشر بجوهر الوجود الفلسطيني والإسلامي في القدس. فالأقصى ليس ملكًا لجيل دون آخر، ولا لمدينة دون أخرى، بل هو إرث روحي ممتد عبر الزمن، وكل محاولة لتقليصه أو محاصرته أو إعادة صياغته تصطدم بجدار أعمق من السياسة: جدار الإيمان.
خمسة وثلاثون يومًا من الإغلاق تكشف ما هو أبعد من قرار أمني. إنها تكشف مشروعًا يريد أن يكتب مستقبل الأقصى بمعزل عن أهله، وأن يفرض واقعًا جديدًا على مكان لا يقبل إلا أن يكون كما كان: مسجدًا حيًا، نابضًا، مفتوحًا، لا تغيب عنه الصلاة ولا يغيب عنه الناس.
السؤال اليوم لم يعد: متى سيُفتح الأقصى؟
السؤال الحقيقي هو: أيّ واقع ينتظر الأقصى حين يُفتح؟
وهل سيُسمح له أن يعود كما كان، أم أن الإغلاق كان مجرد خطوة أولى في مسار طويل يراد له أن يغيّر وجه المكان إلى الأبد؟
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio