في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، تعود بي الذاكرة إلى صباحٍ لا يشبه أي صباح آخر. كنتُ طفلًا في الثانية عشرة من عمري، أغادر قريتي إكسال خلسة، أركب الحافلة التي انطلقت لتنضم إلى عشرات الحافلات القادمة من كل بلداتنا العربية. كان الجميع يعرف أن القمع قادم، وأن الدولة لن تتسامح مع احتجاجنا، ومع ذلك أصرّ الناس على المشاركة. كان الشعور العام أن الغياب خيانة، وأن الحضور واجب، حتى على طفل صغير مثلي.
لم يكن والدي يعلم بخروجي. تسللت إلى الحافلة بدافع داخلي لا أستطيع تفسيره حتى اليوم، سوى إحساس قوي بأن حدثًا كبيرًا يتشكل، وأن عليّ أن أكون جزءًا منه. وعندما وصلت إلى سخنين، وجدت نفسي وسط حشود هائلة، رجالًا ونساءً وشبابًا وأطفالًا، جميعهم يهتفون للأرض، للحق، وللجذور التي لا تُقتلع.
وهناك، على الطريق بين سخنين وعرابة، الطريق الذي يشقّ كروم الزيتون ويمرّ بين جذوعها القديمة، تعلّمتُ معنى الانتماء الحقيقي. لم أرَ الشهداء بعينيّ، فقد كنت طفلًا وسط زحام كبير، لكنني رأيت مصابين يُسعفهم الناس من حولي، وسمعت صرخات الخوف والغضب تختلط ببعضها. وعندما بدأ الرصاص يتطاير، ركضنا نحو كروم الزيتون، نبحث عن ملجأ بين أشجارها العتيقة، ونحتمي بجذوعها التي وقفت معنا كما وقفت مع أجدادنا من قبل. هناك، بين تلك الأشجار، شعرت لأول مرة أن الأرض ليست مجرد مساحة نعيش عليها، بل حضن يحمي أبناءه.
عندما عدت إلى البيت مساءً، كان والدي ينتظرني. لم يكن بانتظاري فخر معلن، بل عقاب نابع من خوفه عليّ. كان غاضبًا لأنني خرجت دون إذنه، لكنني كنت أرى في عينيه شيئًا آخر… فخرًا صامتًا بأن ابنه الصغير وقف حيث يجب أن يقف.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وفي اللحظة نفسها، التفتُّ نحو أمي، فرأيت في عينيها ما لم يقله أحد بصوت عالٍ: نظرات فخر دافئة، خجولة، لكنها واضحة كالشمس. كانت تعرف أنني عدت طفلًا آخر، أكبر من عمري، وأن الطريق بين كروم الزيتون قد ترك أثره في داخلي.
اليوم، بعد خمسين عامًا، ما زالت تلك الطريق بين سخنين وعرابة، وبين كروم الزيتون التي شهدت خطواتنا، تعيش في داخلي بكل تفاصيلها: الهتافات، الدخان، وقع الأقدام، وذاك الشعار الذي ما زال يرنّ في أذني:
“يوم الأرض يوم العرض والدفاع عنها فرض”.
وخلال كل هذه السنوات، ظل موقف واحد ثابتًا لا يتغير:
نحن نرفض النسيان.
نرفض أن تُمحى الذاكرة أو تُخفى الحقيقة أو تُطمس الجذور. نرفض أن يتحول الألم إلى صمت، أو يتحول الحق إلى رواية منسية. فالذاكرة ليست عبئًا نحمله، بل إرثًا نحميه، ومسؤولية نؤديها تجاه من رحلوا وتجاه من سيأتون.
خمسون عامًا لم تمحُ العدالة من ذاكرتي، ولم تُضعف يقيني بأن الحق لا يسقط بالتقادم. ما زلت أرى بوضوح كيف صودرت أراضينا لتتحول إلى ثكنات عسكرية أو مستوطنات أو مشاريع لا مكان لنا فيها إلا كعمّال في أرضنا، ولكن بملكية الغير. هذا هو الظلم كما رأيته بعيني طفل، وكما أراه اليوم بوعي رجل.
نحن لا نرفض النسيان فقط، بل نرفض أن نورّث أبناءنا الصمت. نريد أن نورّثهم الحقيقة: أن لهم حقًا في الأرض المسلوبة، وأن المطالبة بالحق هي الورثة الحقيقية التي يجب أن تنتقل من جيل إلى جيل. أحفادنا سيكبرون وهم يعرفون أن الانتماء ليس شعارًا، بل جذورًا تمتد في التراب، وأن الدفاع عن الأرض ليس حدثًا عابرًا، بل مسيرة مستمرة.
في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، أعود إلى ذلك الطفل الذي خرج من إكسال دون إذن، وأقول له: كنت تعرف في أعماقك أن الأرض تستحق أن نهتف من أجلها، وأن الحق يستحق أن نتحمل ثمنه… حتى لو كان الثمن عقابًا يخفي خلفه فخر الأب، ونظرة أمّ لا تُنسى، وذكرى هروبنا إلى كروم الزيتون التي حمتنا كما نحميها.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio