إسرائيل بين حدود القوة العسكرية وتراجع النفوذ الدبلوماسي
بقلم: محمد دراوشة
تواجه إسرائيل اليوم أزمة مركّبة تتجاوز حدود التحديات الأمنية التقليدية. فالمؤسسة العسكرية التي طالما اعتُبرت مصدر القوة الأول للدولة، تبدو وكأنها تقترب من نقطة الانهاك، بينما تتراجع مكانة إسرائيل الدولية بشكل غير مسبوق منذ حرب غزة. هذه ليست مجرد أزمة عابرة، بل تحوّل استراتيجي يفرض نفسه على الواقع الإسرائيلي، ويكشف حدود القوة التي اعتادت إسرائيل التفاخر بها.
التحذير الذي أطلقه رئيس الأركان مؤخرًا، حين قال إن الجيش قد “ينهار من الداخل إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه”، لم يكن مجرد تصريح تقني. كان اعترافًا صريحًا بأن الجيش يعمل فوق طاقته، وأنه لم يعد قادرًا على تنفيذ المهام المتزايدة التي تُلقى عليه. هذا التحذير جاء بعد أشهر من الاستنزاف المتواصل، وبعد توسع غير مسبوق في الجبهات التي يعمل عليها الجيش، من الشمال إلى الجنوب، ومن البحر الأحمر إلى مناطق بعيدة خارج الحدود.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وزير الدفاع نفسه قال قبل أسابيع: “لا يمكن للجيش أن يستمر بهذا المستوى من الانتشار لفترة طويلة”. ورغم محاولات التخفيف من وقع التصريح، إلا أن الرسالة كانت واضحة: الجيش الإسرائيلي لم يعد قادرًا على تلبية كل ما تطلبه منه القيادة السياسية، خصوصًا في ظل نقص القوى البشرية وتراجع جاهزية الاحتياط.
أحد كبار قادة الاحتياط صرّح في مقابلة تلفزيونية: “نحن نُستدعى أكثر مما نستطيع، ونُطلب لأداء مهام لا يمكن تنفيذها بهذا الحجم من القوات”. هذا الكلام يعكس حقيقة يعرفها كل من خدم في الجيش: منظومة الاحتياط التي كانت تُعتبر العمود الفقري للجاهزية العسكرية باتت اليوم منهكة، وغير قادرة على الاستمرار في تحمل العبء نفسه.
حتى رئيس جهاز الأمن الداخلي السابق قال بوضوح: “القيادة السياسية تدفع الجيش إلى مهام لا طاقة له بها، وتُحمّله مسؤوليات ليست من اختصاصه”. هذا التصريح يكشف حجم الفجوة بين الاعتبارات المهنية داخل المؤسسة الأمنية وبين الحسابات السياسية التي تتحكم في القرارات الحكومية.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الجيش. فالحكومة الحالية، التي تعتمد على تحالفات هشة مع مجموعات دينية وقومية متشددة، تضيف على الجيش أعباء جديدة دون أي حساب للقدرة الفعلية على تنفيذها. قرارات إقامة بؤر استيطانية جديدة تُتخذ دون أي نقاش مهني حول قدرة الجيش على توفير الحماية لها. أحد الوزراء السابقين قال: “السياسة اليوم تُفرض على الجيش، وليس العكس”. هذا التداخل بين السياسة والأمن يخلق حالة من الفوضى داخل المؤسسة العسكرية، ويُضعف قدرتها على التخطيط بعيد المدى.
وفي موازاة هذا التراجع العسكري، تواجه إسرائيل أزمة دبلوماسية غير مسبوقة. فبعد حرب غزة، تراجعت مكانتها الدولية بشكل واضح. مسؤول أوروبي رفيع قال مؤخرًا: “إسرائيل فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير في الساحة الدولية”. حتى الولايات المتحدة، الحليف الأقرب، بدأت تُظهر ترددًا في دعم بعض السياسات الإسرائيلية، وهو ما عبّر عنه مسؤول أمريكي بقوله: “الدعم ليس شيكًا مفتوحًا”.
الأمين العام للأمم المتحدة صرّح بأن “الوضع في غزة كشف حدود القوة الإسرائيلية”، بينما قالت وزيرة خارجية دولة أوروبية كبرى إن “إسرائيل لم تعد قادرة على فرض روايتها كما كانت تفعل سابقًا”. هذه التصريحات ليست مجرد انتقادات، بل مؤشرات على تراجع حقيقي في النفوذ السياسي والدبلوماسي.
هذا التراجع مرتبط بشكل مباشر بالأزمة الداخلية. فحين تنشغل الحكومة بصراعات سياسية داخلية، وبمحاولة إرضاء مجموعات ضغط دينية وأيديولوجية، فإن قدرتها على إدارة علاقاتها الدولية تتراجع. أحد الدبلوماسيين الإسرائيليين السابقين قال: “لا يمكن لدولة أن تكسب احترام العالم بينما هي عاجزة عن إدارة شؤونها الداخلية”.
إسرائيل اليوم تقف أمام مفترق طرق. قدراتها العسكرية وصلت إلى حدودها القصوى، وقدراتها الدبلوماسية تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ عقود. التحذيرات التي تصدر من داخل المؤسسة الأمنية ليست مجرد إشارات مقلقة، بل دعوات لإعادة التفكير في المسار كله. فدولة تُرهق جيشها بمهام لا طاقة له بها، وتفقد دعم حلفائها، وتسمح للسياسة الداخلية بأن تُملي على الأمن أولوياته، هي دولة تسير نحو أزمة أعمق مما تعترف به قيادتها.
وما لم تُعِد إسرائيل ترتيب أولوياتها، وتفصل الأمن عن السياسة، وتعيد بناء ثقة المجتمع بمؤسساتها، فإن التحذيرات من الانهيار قد تتحول إلى واقع لا يمكن احتواؤه.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio