مقالات

يوم الأرض: نصف قرن في ذاكرة الوعي والانتماء والوجود

ساهر غزاوي  23:26 26/03 |
حمَل تطبيق كل العرب

تحل ذكرى يوم الأرض الخمسين هذا العام – نصف قرن بالتمام – لا بوصفها محطة استذكار، بل بوصفها لحظة كاشفة لبنية صراع لم يتغير في جوهره، وإن تبدلت أدواته وخطاباته. فمنذ الثلاثين من آذار 1976، حين صادرت السلطات الإسرائيلية نحو 21 ألف دونم ضمن مشروع "تطوير الجليل"، كان واضحًا أن الأمر لم يكن مشروع تطوير كما جرى تسويقه، بل مشروعًا استيطانيًا اقتلاعيًا بامتياز، هدفه إعادة تشكيل المكان ديمغرافيًا وجغرافيًا بما يخدم تثبيت الهيمنة.

رد الفلسطينيون يومها لم يكن احتجاجًا على قرار إداري، بل رفضًا لمنطق كامل يقوم على تحويلهم إلى فائض سكاني في وطنهم. فقد عم الإضراب العام والمسيرات مناطق الجليل والمثلث والنقب، في لحظة وعي جماعي أعادت تعريف العلاقة مع الأرض، من ملكية قانونية قابلة للمصادرة إلى علاقة وجود لا يمكن انتزاعها. لذلك لم يكن سقوط ستة شهداء وسقوط عشرات الجرحى واعتقال المئات مجرد "ثمن" للاحتجاج، بل تأسيسًا لوعي جديد بأن الأرض هي محور الصراع، وأن التفريط بها يعني التفريط بالوجود نفسه.

بعد خمسين عامًا، لا يبدو أن هذا الدرس قد تغيّر في العقل السياسي الإسرائيلي، وكيف له أن يتغيّر أصلًا وهو من صلب وأساسات المشروع الصهيوني، بل ربما ازداد وضوحًا وحدة. فلا تزال مصادرة الأراضي في مختلف المناطق، ولا سيّما في النقب، تتخذ منحًى تصاعديًا، إلى جانب سياسات هدم البيوت والتضييق على التجمعات الفلسطينية، في إطار سعي مستمر لإعادة تشكيل الحيز الجغرافي والديمغرافي بما يخدم تثبيت الهيمنة والسيطرة على المكان والهوية.

أما تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، التي زعم فيها أن "الفلسطينيين يحبون وطنهم، لكنهم لا يحبون الأرض"، فليست سوى تعبير صريح عن رؤية احتلالية مشبعة بخلفية أيديولوجية دينية، تسعى إلى نفي الارتباط الجذري بين الفلسطيني وأرضه، تمهيدًا لإنكار حقه فيها.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ويمتد هذا النفي من مستوى الخطاب إلى حيز الفعل، حيث يتجلى في سياسات الضم وتوسيع الاستيطان وتقويض أي كيان سياسي فلسطيني، والتعامل مع الأرض باعتبارها مجالًا مفتوحًا لإعادة التشكيل الاستعماري. وفي هذا الإطار، تُعاد صياغة الأرض كحيز "فارغ"، لا لغياب سكانها، بل لأن من يعيشون فيها يُراد لهم أن يُعاملوا كغرباء أو كوجود قابل للمحو.

لكن الأهم أن هذه الرؤية لم تعد تكتفي بإعادة إنتاج المقولات الصهيونية الكلاسيكية من قبيل "أرض بلا شعب"، بل تسعى إلى فرضها عمليًا. وقد كشفت الحرب الأخيرة على غزة هذا التحول بوضوح، من خلال طرح التهجير كخيار واقعي، وترويج فكرة "إعادة التوطين"، وتحويل الدمار إلى أداة لإعادة رسم الخريطة السكانية. لذلك لم يعد الهدف مقتصرًا على السيطرة على الأرض، بل تجاوز ذلك إلى تفريغها من معناها الإنساني ومن علاقتها التاريخية بأهلها.

غير أن هذه المحاولة اصطدمت بحقيقة طالما سعت الأيديولوجيا الاستعمارية إلى إنكارها، وهي أن العلاقة بين الفلسطيني وأرضه ليست علاقة منفعة، بل علاقة انتماء. وقد أظهرت غزة، رغم القتل والدمار، أن التمسك بالأرض يمكن أن يتحول إلى فعل يومي من أفعال المقاومة، وأن فكرة "الاقتلاع" لا تختزل في ميزان القوة العسكرية، بل تمتد لتكون معركة على الوعي والهوية.

من هنا يمكن فهم الترابط العميق بين يوم الأرض وتصريحات سموتريتش، فكلاهما يكشف أن الصراع لم يكن يومًا على "أرض" بالمعنى المجرد، بل على تعريف من يملك الحق في أن يكون عليها. ففي عام 1976 كان هاجس "الخطر الديمغرافي" هو المحرك لمصادرة الأراضي ومحاصرة الفلسطينيين داخل فضاءات ضيقة، واليوم ما زال هذا الهاجس حاضرًا لكن بأدوات أكثر مباشرة تتمثل في الضم والاستيطان وإعادة تعريف الفلسطيني كعائق يجب إدارته أو إزالته.

هذا الاستمرار يكشف أن نكبة الفلسطينيين لم تكن حدثًا منتهيًا، بل عملية متواصلة تتخذ أشكالًا متعددة، مرة بالمصادرة ومرة بالتشريع ومرة بالقوة العسكرية المباشرة. وفي كل مرة يُعاد طرح السؤال ذاته حول إمكانية فصل الفلسطيني عن أرضه.

والجواب الذي قدمه يوم الأرض قبل خمسين عامًا، ويتجدّد تأكيده اليوم، أن هذا الفصل غير ممكن. فالأرض بالنسبة للفلسطيني ليست موردًا، بل إطار وجود، وليست ملكية فحسب، بل هوية، وليست مساحة قابلة للاستبدال، بل ذاكرة حيّة تُعاد كتابتها يوميًا بالصمود.

في هذا المعنى، لا يُحيي الفلسطيني، وكل صاحب ضمير حي، يوم الأرض بوصفه ذكرى، بل يمارسه كواقع. وكلما تصاعدت محاولات نفيه عن أرضه، ازداد هذا المعنى رسوخًا. فالصراع، في جوهره، ليس على من يسيطر على الأرض، بل على من يملك القدرة على تعريفها والبقاء فيها.

في ظل هذا المشهد، يتضح أن كل السياسات التي استهدفت الأرض والإنسان الفلسطيني، من مصادرة وتهويد واستيطان وحروب، لم تنجح في قطع العلاقة بين الفلسطيني وأرضه، بل زادتها قوة وترسخًا. فكل محاولة اقتلاع قوبلت بمزيد من التمسك، وكل تضييق أعاد التأكيد على أن الأرض ليست مسألة عابرة، بل جزء من الهوية والوجود.

إن الرهان على إبعاد الفلسطيني عن أرضه يصطدم دائمًا بهذه الحقيقة، فهذه الأرض ليست مجرد مساحة يمكن السيطرة عليها، بل حياة وتاريخ وانتماء متجذر لا يمكن محوه أو استبداله.

من هنا، تكتسب ذكرى يوم الأرض معناها اليوم أكثر من أي وقت مضى، فهي ليست استعادة لحدث مضى، بل تذكير حي بأن الصراع ما زال قائمًا، وأن السياسات ذاتها مستمرة بأشكال مختلفة. وإحياء هذه الذكرى هو تأكيد متجدد على التمسك بالأرض، وعلى أن البقاء فيها ليس مجرد واقع، بل موقف وإرادة وصمود يومي، وتجديد للتمسك بالحقوق القانونية والسياسية للفلسطينيين بوصفهم أصحاب أرض ووطن في فلسطين التاريخية، وإصرار على الثبات في مواجهة مختلف السياسات والإجراءات الهادفة إلى اقتلاعهم من أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio