مقالات

حين يصبح الانحراف عقيدة… وحين تتحول العقيدة إلى إرهاب منظم

محمد دراوشة 19:26 23/03 |
حمَل تطبيق كل العرب

في لحظة نادرة من الصراحة داخل المؤسسة الإسرائيلية، خرج النائب يوآف سيچالوڤيتش ليقول ما يتجنّب كثيرون قوله: "ينشط في الضفة الغربية إرهابيون يهود. ليسوا حالات فردية، بل إرهابيون يجب التعامل معهم على هذا الأساس. إن ما يحدث هو إفلاس لمنظومة إنفاذ القانون".

لكن هذا التصريح، رغم أهميته، ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التحذيرات التي صدرت عن قيادات إسرائيلية أمنية وسياسية وقضائية على مدى أكثر من عقدين. فالعنف الذي يتحدث عنه سيچالوڤيتش ليس انفلاتًا عابرًا، ولا سلوكًا فرديًا، بل نتيجة عقيدة كاملة تتغذى من فكرة التفوق الديني، وتجد اليوم من يرعاها في أعلى مستويات الحكم.

منذ أوائل الألفية، بدأت الحكومات الإسرائيلية تستخدم مصطلح “احتكاكات بين جيران” لوصف اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين. هذا المصطلح، الذي شاع منذ عام 2002، لم يكن توصيفًا بريئًا، بل تحريفًا متعمّدًا يخفي حقيقة أن أحد “الطرفين” يعيش تحت الاحتلال، وأن الطرف الآخر مدعوم بقوة مسلحة وبغطاء سياسي. هكذا تحوّلت اللغة إلى أداة سياسية، تُجمّل واقعًا قبيحًا وتُخفي مشروعًا استيطانيًا يقوم على الاستيلاء بالقوة.

الصهيونية الدينية، منذ بداياتها، حملت رؤية تعتبر الأرض “وعدًا إلهيًا” لا يحق لغير اليهود امتلاكها. ومع صعود هذا التيار إلى قلب السلطة في العقد الأخير، لم يعد هذا الفكر هامشيًا، بل أصبح إطارًا مرجعيًا للسياسات الرسمية. ومعه، تحوّل العنف من مبادرات فردية إلى انحراف عقائدي جماعي يجد دعمه في مؤسسات الحكم.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

واللافت أن التحذيرات من هذا الانحراف جاءت مبكرًا، وبشكل متكرر، ومن أعلى المستويات الأمنية والقضائية. ففي عام 2008، حذّر القاضي إلياكيم روبنشتاين من “تآكل الحدود بين الدولة والقوى العقائدية التي تعمل خارج القانون”. وبعده بعام، في 2010، قال رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق عاموس يادلين إن “المستوطنين المتطرفين يعملون وفق عقيدة خلاصية لا تعترف بالقانون”، بينما اعتبر رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك في العام نفسه أن “التطرف القومي‑الديني أصبح الخطر الأكبر على مستقبل إسرائيل”.

وفي عام 2011، نبّهت الرئيسة السابقة للمحكمة العليا دوريت بينيش إلى “تغلغل التطرف في مؤسسات الدولة وتقويضه لسيادة القانون”. ثم جاء عام 2012 ليشهد تحذيرًا صريحًا من رئيس الشاباك الأسبق يوفال ديسكين، الذي قال إن “التطرف اليهودي يتنامى تحت رعاية سياسية”.

تواصلت التحذيرات، وفي عام 2015 حذّر وزير الدفاع السابق موشيه يعلون من “تنظيمات إرهابية يهودية” تعمل خارج القانون. وبعده بعام، في 2016, وصف رئيس الأركان غادي آيزنكوت العنف الاستيطاني بأنه “إرهاب بكل معنى الكلمة”. ثم جاء عام 2017 ليشهد تحذيرًا جديدًا من رئيس الشاباك نداف أرغمان، الذي قال إن “العنف الاستيطاني قد يتحول إلى تهديد استراتيجي للدولة نفسها”.

لكن التحذيرات لم تكن إسرائيلية فقط. فمنذ عام 2014، أصدرت الاتحاد الأوروبي تقارير متتالية تحذّر من “تصاعد عنف المستوطنين” وتصفه بأنه “منهجي ويهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي بالقوة”. وفي عام 2016، قالت المفوضية الأوروبية إن “الاعتداءات على الفلسطينيين تتم غالبًا تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية”.

وفي عام 2015، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرًا سنويًا وصفت فيه العنف الاستيطاني بأنه “إرهاب فردي وجماعي يستهدف المدنيين الفلسطينيين”. وفي عام 2021، عاد تقرير الخارجية الأمريكية ليؤكد أن “الاعتداءات الاستيطانية ارتفعت بنسبة غير مسبوقة، وأن التحقيقات فيها نادرًا ما تؤدي إلى محاسبة”.

أما الأمم المتحدة، فمنذ عام 2012 عبر تقارير المقررين الخاصين، وصفت العنف الاستيطاني بأنه “منظم ويهدف إلى تهجير السكان الفلسطينيين”. وفي عام 2022، قالت مفوضة حقوق الإنسان ميشيل باشليه إن “الاعتداءات الاستيطانية تتم في كثير من الأحيان بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع قوات الاحتلال”.

وفي عام 2023، حذّر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معًا في بيان مشترك من “تصاعد غير مسبوق في عنف المستوطنين”، مؤكدين أن “البيئة السياسية الحالية تشجع على الإفلات من العقاب”.

هذه التحذيرات الدولية، الممتدة من 2012 حتى 2023، تتقاطع مع التحذيرات الإسرائيلية نفسها، وتكشف أن المشكلة ليست محلية، بل ظاهرة مرئية عالميًا، وأن تجاهلها لم يكن سهوًا، بل خيارًا سياسيًا.

ومع تشكيل الحكومات الأخيرة، التي تعتمد على أحزاب قومية‑دينية متشددة، لم يعد العنف الاستيطاني مجرد انفلات، بل أصبح جزءًا من بيئة سياسية رسمية. السياسات الحكومية الحالية خلقت واقعًا يشعر فيه المعتدون بأنهم فوق القانون، وأنهم يتحركون ضمن مشروع سياسي أكبر. شرعنة البؤر الاستيطانية، توسيع الصلاحيات على حساب الأجهزة المهنية، الضغوط على الجيش والشرطة، الخطاب الذي يهاجم منظمات حقوق الإنسان… كلها عناصر صنعت مناخًا يسمح للعنف بأن يتوسع بلا رادع.

في هذا المناخ، يجد الجيش نفسه في موقع معقّد. فهو يعمل تحت ضغط سياسي واضح، وفي كثير من الحالات يتحول إلى قوة تحمي المعتدين، أو تمنع الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم، أو تشرعن بؤرًا استيطانية أقيمت على أراضٍ خاصة. وهكذا يصبح الحديث عن “إفلاس منظومة إنفاذ القانون” توصيفًا غير مكتمل؛ فالمشكلة ليست إفلاسًا، بل انحيازًا بنيويًا يجعل القانون أداة تُستخدم ضد الفلسطينيين، لا لحمايتهم.

لهذا كله، يصبح من العبث الاستمرار في الحديث عن “احتكاكات بين جيران”. حين يدخل عشرات المستوطنين إلى قرية فلسطينية تحت حماية الجنود، ويعتدون على الأهالي، ويحرقون الممتلكات، ثم يغادرون دون محاسبة، فهذا ليس خلافًا بين جيران. وحين تُقام بؤرة استيطانية على أرض خاصة، ثم تُوصل بالخدمات خلال أيام، بينما يُمنع صاحب الأرض من الاقتراب منها، فهذا ليس نزاعًا على ملكية. ما يجري هو مشروع استيلاء ونهب ممنهج، هدفه تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي بالقوة.

ما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس سلسلة أحداث منفصلة، ولا خلافات بين جيران، بل نتاج عقيدة استعلائية تحولت إلى سياسة رسمية. إنه مشروع يهدف إلى اقتلاع شعب من أرضه، عبر العنف والترهيب والاستيلاء المنهجي. تصريح سيچالوڤيتش مهم لأنه يكسر الصمت، لكنه ليس كافيًا. فالحقيقة التي قالها تحتاج إلى من يقتلع جذورها، لا إلى من يكتفي بوصف نتائجها.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio