ما أشد حاجتنا اليوم إلى أن نرفع أيدينا إلى الله بالدعاء بأن تتوقف الحروب، وأن يجنب بلادنا ويلاتِها، وأن يحفظ الناس من شرورها وآثارها المدمرة. فالحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي نار إذا اشتعلت أحرقت الإنسان والعمران، وخلفت وراءها القتل والدمار والفقر واليتم والترمل والخراب النفسي والاجتماعي. والحقيقة المؤلمة أن كثيرا من الحروب لم تكن يوما ضرورة إنسانية، بل كان الدافع إليها في أحيان كثيرة الطمعَ، وحب السيطرة، والسعيَ إلى النفوذ وفرض الإرادة على الآخرين.
ومن هنا يبرز سؤال مؤلم ومشروع: لماذا لا يتعلم الإنسان من تجارب الماضي؟ ولماذا لا يعتبر بما أصاب البشرية من ويلات وكوارث بسبب الحروب؟
فلو كان الإنسان يتعظ حقا من التاريخ، لما تكررت المآسي بالصورة نفسها، ولما بقيت الأرض مسرحا دائما للدماء والانتقام والعداوات. ولكن يبدو أن في النفس البشرية جانبا مظلما، إذا لم تهذبه القيم والشرائع والضمير، دفع صاحبَه إلى الظلم والعدوان والتجبر.
ومنذ بدء الخليقة، والعداوة حاضرة في حياة البشر؛ فقد قص علينا التاريخ الأول كيف قتل قابيل أخاه هابيل، فكانت تلك الجريمة البشعة أول شاهد على أن الإنسان قد يتحول إلى عدو لأخيه الإنسان عندما يستسلم الحسد والأنانية والشر. ومنذ ذلك الحين، وسفك الدماء لم يتوقف، والعنف لم ينقطع، والصراعات لم تهدأ ، وكأن البشرية تصر على أن تعيد أخطاءها جيلا بعد جيل، من غير أن تتوقف طويلا أمام نتائجها المفجعة.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });لقد شهد التاريخ حروبا لا تكاد الذاكرة الإنسانية تحتمل فظاعتها، وكانت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية من أبشع ما عرفه البشر من قتل ودمار. فقد سقط عشرات الملايين من الضحايا، وانهارت اقتصادات، ودُمِّرت مدن، وتهدمت بنى تحتية، وتشردت شعوب، وامتلأت النفوس بجراح عميقة لا تمحوها السنوات بسهولة. ومع ذلك كله، لم تكن تلك الكوارث كافية لردع الإنسان عن الاستمرار في نهجه العدواني، بل استمرت الحروب الإقليمية والدولية، وتجددت الأطماع، وتكررت المآسي بأشكال مختلفة.
وللأسف، فإن الدول الكبرى كثيرا ما كانت طرفا مباشرا أو غير مباشر في صناعة الفتن وتأجيج الصراعات، خدمة لمصالحها السياسية والاقتصادية، وتحقيق لمطامعها الاستراتيجية. فهي لا تكتفي أحينا بإدارة النزاعات من بعيد، بل تسهم في تصنيع الأسلحة الفتاكة، وتطوير أدوات القتل، وتغذية الانقسامات، حتى تبقى الشعوب الضعيفة ساحات مفتوحة للصدام والاستنزاف. وهكذا يصبح الإنسان في كثير من الأحيان مجرد رقم في معادلات المصالح، وتصبح دماؤه أرخص من أن توقفها حسابات الطامعين.
وإذا كانت الحروب القديمة تعتمد على المواجهة المباشرة، فإن الإنسان اليوم طور وسائل قتل أكثر برودةً وقسوة. فالتقدم العلمي والتقني الذي كان ينبغي أن يُسخر لخدمة الإنسان ورفاهيته، استخدم كذلك في ابتكار أنواع جديدة من الحروب: حروب إلكترونية، وصواريخ عابرة للقارات، وطائرات مسيرة، وأنظمة قتل تُدار عن بُعد. لقد أصبحت المعركة تُخاض احيانا بكبسة زر، من مكان بعيد، دون أن يرى القاتل وجوه ضحاياه، ودون أن يسمع صرخات الأطفال والثكالى، ودون أن يلامس بيده آثار الدم والركام. وهذا النوع من الحروب يزيد الخطر الأخلاقي؛ لأنه يخلق مسافةً نفسية بين الفعل ونتيجته، فيضعف الإحساس بالذنب، ويجعل القتل يبدو وكأنه مجرد عملية تقنية لا مأساة إنسانية.
وهنا تتجلى أزمة العصر الحقيقية: تراجع الحس الإنساني. فقد أصبح كثير من الناس يشاهدون المذابح والخراب على الشاشات كما لو أنها مشاهد عابرة، لا تستحق إلا تعليقا سريعا أو انفعالا مؤقتا. بل إن بعض البشر باتوا أقل شعورا بآلام الآخرين من بعض الحيوانات التي تُظهر تعاطفا فطريا مع بني جنسها. وهذا أمر يبعث على الخوف والقلق؛ لأن موت الضمير أخطر من السلاح نفسه، وانهيار القيم أشد فتكا من الصواريخ والقنابل.
إن القول إن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” ليس مجرد عبارة بلاغية، بل وصفٌ لواقع مرير تكشفه صفحات التاريخ ووقائع الحاضر. غير أن هذا الواقع، على قسوته، لا ينبغي أن يدفعنا إلى اليأس من الإنسان مطلقًا، بل إلى العمل على إعادة بناء إنسانيته. فالإنسان ليس شرًّا خالصًا، لكنه قد ينحدر إلى الوحشية إذا غاب الوازع الديني والأخلاقي، وإذا سادت ثقافة القوة بدل ثقافة الحق، وثقافة الانتقام بدل ثقافة العدل، وثقافة المصالح الضيقة بدل قيم الرحمة والتعاون.
إن البشرية اليوم بحاجة إلى مراجعة عميقة وشجاعة، تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه قيمة عليا، لا أداة في مشاريع الهيمنة. وهي بحاجة إلى تربية الأجيال على أن السلام ليس ضعفًا، بل فضيلةٌ وقوةٌ وحكمة، وأن الحوار ليس تنازلًا، بل سبيل النجاة، وأن الحروب مهما ادّعى أصحابها من مبررات لا تخلّف في النهاية إلا الخراب والندم والفقدان.
وفي الختام، نبتهل إلى الله أن يوقف الحروب، وأن يحقن الدماء، وأن يحفظ بلادنا وبلاد العالم من شرورها، وأن يزرع في القلوب الرحمة بدل القسوة، والحكمة بدل التهور، والمحبة بدل الكراهية. فالتاريخ مليء بالعبر، ولكن المشكلة ليست في قلّة الدروس، بل في قلّة من يريد أن يتعلم. وإذا لم يتعظ الإنسان من التاريخ، فسيظل يكرر مآسيه بيديه، وسيبقى يدفع الثمن من أمنه واستقراره وإنسانيته.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio