شعر

محمود درويش في المختبر النقدي

فراس حج محمد 14:27 13/03 |
حمَل تطبيق كل العرب

مقدّمة:

يحتفل الوسط الثقافي الفلسطيني كل عام بيوم الثقافة الفلسطينية التي اتخذت من ميلاد الشاعر محمود درويش في الثالث عشر من آذار منطلقاً لها، وبهذه المناسبة يكتب الكثيرُ من الكتاب مقالاتهم ومراجعاتهم النقدية لشعر الشاعر وأثره الثقافي الذي ما زال حاضرا وبشدة، ويحتدم الجدل بشأنه وبشأن شعره بين الفينة والأخرى، وما زالت الكتب التي تتناول تجربته الشعرية تصدر كل عام، ولن يكون آخرها كتاب الباحث الفلسطيني رجا زعاترة "لم أذهب بعيداً".

كما يعود الشاعر إلى الواجهة مؤخرا عندما أعلن عن وفاة حبيبته السابقة الفتاة اليهودية تمار بن عامي، المشهورة بريتا، فلم يكن رحيلها في برلين رحيلا عادياً، بل كان حدثا ثقافيا وسياسيا معاً، يذكر بقصائد الشاعر ومواقفه، وعلاقاته، وحياته الشخصية.

إن اتخاذ مولد الشاعر ركيزة للاحتفال بيوم الثقافة الفلسطينية أمر بالغ الدلالة على أهميته، لما لهذا الشاعر من رمزية عالمية، ويسير المنطق في هذا المنوال على ما فعلته الأمم المتحدة مثلا من اتخاذ ميلاد بعض الشعراء منطلقا لأيام عالمية كيوم اللغة الإنجليزية المرتبط بيوم ميلاد الشاعر والمسرحي الإنجليزي وليم شكسبير في الثالث والعشرين من نيسان، ويوم اللغة الروسية المرتبط بميلاد الشاعر ألكسندر بوشكين في السادس من حزيران.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

لقد انتبهتُ إلى أنني ما زلت مشغولا بدرويش منذ عام 1995 وحتى اليوم، أفتش في أشعاره، وفي مواقفه، وفي ما يصدر عن أشعاره، وإن لم أستطع إلى الآن جمع كل ما كتب عنه- وفي ظني لن يستطيع باحث فردٌ أن يجمع كل ما كتب عن درويش، فهو في اتساع مطرد كل عام- إلا أنني حصلت منه ما يكفي لأظل على تماس متجدد مع هذه التجربة التي فيها الكثير من الأخذ والرد والجدل المحتدم.

لقد تجمع لديّ الكثير من الدراسات خلال هذه الأعوام، ولمعرفة التطور النقدي الذي اتبعته في دراستي لدرويش كظاهرة شعرية متكاملة، استعنت بتقنيات الذكاء الاصطناعي لدراسة تلك المنجزات النقدية، فكانت هذه الكتابة:

تمثل التجربة النقدية للباحث والكاتب الفلسطيني فراس حج محمد في مقاربة المنجز الإبداعي للشاعر محمود درويش أنموذجاً فريداً للدراسات الأدبية المعاصرة التي ترفض الإقامة في ظلال الرمز، وتسعى بدلاً من ذلك إلى تفكيكه بوصفه ظاهرة ثقافية وجمالية واجتماعية متكاملة. إن فحص المدوّنة النقدية التي أنجزها حج محمد عبر سنوات ممتدة يكشف عن منهجية مركبة بدأت من أدوات التحليل الأكاديمي التقليدي في رصد البلاغة والإيقاع، وانتهت إلى مربعات النقد الثقافي، والتحليل البنيوي، والتفكيك الأنثروبولوجي الذي يلامس المسكوت عنه في سيرة الشاعر ونصوصه.

ويتجلى التطور الفكري لحج محمد في تحوله من "القارئ المعجب" الذي يرى في درويش نخلة فلسطين السامقة، إلى "الناقد المشاكس" الذي يشخص "متلازمة درويش" ويحذر من أسطرة المبدع التي قد تؤدي إلى عقم شعري في المشهد الفلسطيني المعاصر.

بدأت علاقة فراس حج محمد البحثية بمحمود درويش في مرحلة مبكرة من تكوينه الأكاديمي، وتحديداً في مرحلة البكالوريوس، حيث كان درويش يُدرّس بوصفه "شاعر المقاومة" الأبرز. في هذه المرحلة، كانت مقاربات حج محمد تتسم بالالتزام المنهجي الذي يفرضه السياق الجامعي، حيث تركزت دراساته الأولى على رصد الحقول الدلالية، كما في بحثه حول مدلول كلمة "القمر" في شعر درويش، هذا التأسيس الأكاديمي منح حج محمد القدرة على تتبع "الظاهرة الدرويشية" تاريخياً، وهو المنهج الذي نصحه به أستاذه عادل الأسطة؛ أي ضرورة فهم الحالة الدرويشية عبر سياقها التاريخي ونتاجها النثري وحواراتها الصحفية، وليس الاكتفاء بالنص الشعري المعزول.

انتقل حج محمد في مرحلة الماجستير إلى دراسة أكثر تخصصاً وعمقاً، وهي ظاهرة "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم"، والتي شكل فيها شعر درويش ركيزة أساسية. هنا، بدأ يتشكل لديه وعي بمنهجية "المفارقة" وكيفية توظيف اللغة الشعرية لتمرير رسائل سياسية واجتماعية حادة. هذا الانتقال يمثل حلقة الوصل بين مرحلة الرصد الدلالي البسيط ومرحلة التحليل الوظيفي للنص، حيث لم يعد يبحث عما يقوله درويش فحسب، بل عن "كيف" يقوله، وما هي الأدوات الفنية التي جعلت من شعره سلاحاً في وجه المحتل وأداة لنقد الواقع العربي.

أحد أبرز ملامح المنهج النقدي عند فراس حج محمد هو اهتمامه الاستثنائي بـ "المعمار الفني" للقصيدة الدرويشية. في كتابه "في ذكرى محمود درويش"، يقدم حج محمد دراسة موسعة حول حضور الأوزان الخليلية (قصيدة الشطرين) في المنجز الدرويشي، وهي دراسة تهدف إلى هدم المقولات النقدية الجاهزة التي تربط بين "الحداثة" والتخلي عن الوزن القديم. يرى حج محمد أن درويش يمثل مدرسة "الصنعة" في الشعر الحديث، وهو امتداد طبيعي لأوس بن حجر وأبي تمام والمتنبي في العناية باللفظ وبعثه من مراقده المعجمية.

يوضح حج محمد أن توظيف درويش للشكل الخليلي لم يكن ارتداداً فنياً، بل كان اختياراً واعياً نابعاً مما يسميه درويش "اللحظة الموسيقية" أو "الحدس" الذي يفرض الشكل. وقد رصد حج محمد ثلاث تقنيات أساسية في هذا السياق:

1. كسر الرتابة الموسيقية: كما في قصيدة "إلى القارئ"، حيث يبدأ درويش بنمط خليلي رتيب ثم يكسره بتفعيلة زائدة لإبراز لحظة توتر شعوري، مما يخرج القصيدة من خانة "النظم" إلى خانة "الإبداع الواعي".

2. الفواصل الإيقاعية: وهي المقاطع الخليلية التي تتخلل القصائد المطولة المكتوبة بشعر التفعيلة. يحلل حج محمد هذه الفواصل (كما في مديح الظل العالي وبيروت) بوصفها "محطات استراحة" أو "لحظات تنفس" غنائية تعيد شحن القارئ لمتابعة السرد الشعري.

3. القصائد الخليلية الكاملة: وهي التي رافقت درويش من ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" حتى ديوانه الأخير. يثبت حج محمد عبر جدول إحصائي دقيق أن هذا النمط لم يفارق درويش أبداً، مما يؤكد أن "طاقة التعبير" تكمن في قدرة الشاعر على تطويع الشكل، لا في الشكل نفسه.

يستنتج حج محمد من هذا الرصد أن درويش كان "مهندساً" للقصيدة، يدرك تماماً متى يحتاج إلى "الإيقاع العالي" ومتى يميل إلى "همس النثر"، مما يجعله سيد الشعراء في توظيف الإمكانيات المتاحة للغة العربية.

يمثل تحليل "السخرية" في المنهج النقدي لفراس حج محمد أداة لتعرية المواقف السياسية والاجتماعية في شعر درويش. يرى حج محمد أن السخرية عند درويش ليست لمجرد الإضحاك، بل هي "سخرية مُرة" نابعة من فجيعة الواقع، في دراسته لقصائد مثل "كن إنسان" و"ثلاث صور"، يلاحظ حج محمد اعتماد درويش على "مفارقة الموقف"، حيث يتم وضع الضحية (الفلسطيني) في مواجهة اتهامات الجلاد (المحتل الغاصب) الذي يصفه بالقاتل والسارق بعد أن سلبه أرضه وحبيبته.

يتطور فكر حج محمد النقدي في هذا السياق ليصل إلى تحليل "خطب الدكتاتور الموزونة". يرى حج محمد أن درويش في هذه المجموعة حقق ذروة "الجناس السياسي"، حيث تقمص شخصية الحاكم العربي المستبد ليكشف عن هشاشته وسذاجته المفتعلة. يحلل حج محمد "خطاب السلام" و"خطاب الضجر" و"خطاب الفكرة" بوصفها نصوصاً تفكك العقلية الشمولية التي ترفض الموت وتصر على حكم الشعب حتى من داخل القبر.

يرى حج محمد أن لجوء درويش لـ "البحر المتقارب" في هذه الخطب كان خياراً فنياً ذكياً؛ فالوزن السريع الراقص يتناسب مع الرغبة في الإضحاك والسخرية، كما أن "القافية الموحدة" في خطاب الضجر (الراء الساكنة) تعزز الإحساس بالرتابة القاتلة التي يعيشها المواطن العربي. هذا التحليل يظهر مدى نضج المنهج النقدي عند حج محمد في الربط بين "الموسيقى الداخلية للنص" وبين "الرسالة الأيديولوجية" المراد إيصالها.

تعد دراسة حج محمد لقصيدة "الجدارية" نقطة تحول كبرى في منهجه، حيث انتقل من التحليل الوصفي إلى التحليل "البنيوي الوجودي". يصف حج محمد الجدارية بأنها "نص هجين" أو "قطعة فسيفساء لغوية" مشغولة بحرفية صانع خبير. يرتكز منهجه هنا على مفهوم "الذاكرة اللغوية"، حيث يرى أن مفردات درويش لم تعد مجرد كلمات معجمية، بل تحولت إلى "أيقونات ثابتة" تحمل حمولات تاريخية وثقافية ضخمة (الأندلس، المسيح، جلجامش، المعلقة).

يكشف حج محمد عن تناص درويش العميق مع الفلسفة الوجودية، وتحديداً مع أفكار جان بول سارتر. يلاحظ الناقد الحضور الطاغي لأفعال الكينونة (كان، وجد، سأصير، أكون، أريد)، ويربطها بمفهوم "الوجود يسبق الجوهر"؛ فالكتابة عند درويش هي فعل وجودي بامتياز ("اكتب تكن واقرأ تجد").

كما يقارن حج محمد بين رؤية درويش للموت وبين رؤى الشعراء القدامى، مثل مالك بن الريب والمتنبي، ليخلص إلى أن درويش في الجدارية كان "حطّاب لغة"، هضم نصوص السابقين وأعاد إنتاجها في مختبره الخاص، مما جعل النص يتأرجح بين "لذة الإبداع" و"هيبة الصناعة". هذا النقد يظهر شجاعة حج محمد في مواجهة النص الدرويشي "الأكثر قداسة"، حيث لم يتردد في وصف درويش أحياناً بـ "صانع شعر" وليس شاعراً مطبوعاً فحسب، نظراً لكثافة التكلف الفني في الجدارية.

في مرحلة متقدمة من فكره النقدي، يقتحم فراس حج محمد منطقة شائكة تتعلق بحياة درويش الشخصية وتمثلاتها النصية، وتحديداً علاقته بـ "ريتا" (تمار بن عامي). يتبنى حج محمد هنا منهجاً "أنثروبولوجياً وفلسفياً" يتجاوز القراءات العاطفية الرومانسية السائدة. يحلل حج محمد مقال الشاعر سليم بركات حول "الابنة المزعومة" لدرويش، ليس من باب الفضول الشخصي، بل من منظور "التورط الوجودي" و"الهوية والنسل".

يطرح حج محمد مفهوم "الشَرَك الأنثروبولوجي" لوصف علاقة درويش بريتا؛ فالمرأة اليهودية في السرير لم تكن عشيقة فحسب، بل كانت رمزاً للمشروع الذي يسعى لـ "اغتيال التاريخ والأسماء". يرى حج محمد أن "ريتا" اختطفت "البروة" في البندقية، واختطفت "المعنى" في القصيدة، واغتالت "حيوانات درويش المنوية" في المضاجعة لتصنع منها "بندقية أخرى لزمن جديد".

إن الهوية في نقد حج محمد ليست خياراً ثقافياً فحسب، بل هي "قَدَر بيولوجي" يرتبط بالرحم والتربية ("دمغة المصنع"). ومن هنا يفسر رحيل درويش عن الأرض المحتلة بوصفه هروباً من مواجهة "ابنة يهودية" قد تنمو بين ناظريه ولا يستطيع تبنيها أو مقاومتها، هذا النوع من النقد يمثل قمة التطور في فكر حج محمد، حيث يربط بين "الأيروس" (الغريزة) وبين "اللوغوس" (الفكر والسياسة)، محذراً من "الجماع السياسي" الذي قد يؤدي إلى تآكل الهوية الفلسطينية تحت مسميات الحب أو التعايش.

يتناول حج محمد في دراسته لقصيدة "إلى شاعر شاب" مفهوم "الميتا شعر" أو "الكتابة عن الكتابة". يحلل حج محمد هذه القصيدة بوصفها "رسالة وصية" تلخص فلسفة درويش النهائية في الإبداع. يبرز منهجه "المقارن" في ربط نصائح درويش برسائل ريلكه وفيتزجيرالد ويوسا، مؤكداً فكرة "قتل الأب الشعري"؛ أي ضرورة أن يتحرر الشاعر الشاب من سطوة درويش نفسه ليكون صوته الخاص.

رصد حج محمد في هذا السياق مجموعة من القوانين الإبداعية عند درويش:

• التحرر من القواعد: الإبداع يكمن في انتهاك الأنظمة المقررة سلفاً.

• الواقعية الشعرية: التعامل مع الوقائع تعاملاً شعرياً (القصيدة وردة على مقبرة) دون الغرق في الرومانسية الحالمة.

• ثنائية أبولون وديونيسوس: الصراع بين العقلانية (الانضباط الفني) وبين الانفعال (الحرارة الشعرية).

• نقصان النص: الاعتراف بأن القصيدة تظل ناقصة حتى يكملها القارئ، وهو ما يتسق مع "جماليات التلقي" الحديثة.

يخلص حج محمد إلى أن درويش في هذه القصيدة يمارس دور "المعلم" الذي يلغي نفسه في النهاية، ليقول للشاعر الشاب: "لا تصدق خلاصاتنا... وابتدئ من كلامك أنت".

لعل أكثر إسهامات فراس حج محمد النقدية جُرأة وإثارة للجدل هو صياغته لمصطلح "متلازمة درويش". يصف حج محمد هذه المتلازمة بأنها ظاهرة ثقافية ونقدية تتمثل في "السيطرة الإبداعية المطلقة" لدرويش، مما أدى إلى "تأليه المبدع" وتحويله إلى "الشاعر الأوحد" الذي لا يجوز نقده أو تجاوزه.

يرى حج محمد أن هذه الظاهرة خلقت نوعاً من "العقم الشعري" في فلسطين، حيث أصبح كل شاعر شاب يُقاس بـ "المسطرة الدرويشية"، مما يحرم المواهب الجديدة من حقها في البروز. وربط حج محمد بين "تقديس الشاعر" وبين "العقلية الدكتاتورية" في السياسة، معتبراً أن كلاهما نتاج لثقافة "البطل الفرد" التي تلغي التعددية.

في نقده لكتاب صبحي حديدي "مستقر محمود درويش"، يطبق حج محمد هذا المفهوم بوضوح؛ حيث ينتقد "الانحياز الكلي" للناقد الذي تحول إلى "محامٍ" عن الشاعر، مبرراً له حتى حذف القصائد أو النهل من التوراة. يرى حج محمد أن هذا النوع من النقد "التبجيلي" يضر بدرويش نفسه لأنه يخرجه من سياق البشرية إلى سياق الأسطورة، ويضر بالمشهد الشعري لأنه يسد الأفق أمام أي تجربة مغايرة.

إذاً، يمكن رصد التطور الفكري والنقدي لفراس حج محمد عبر ثلاثة مستويات أساسية:

المستوى الأول:

حيث البدايات الأكاديمية، ويبرز فيها المنهج التحليلي الأكاديمي،ويتم فيها  دراسة الصور البلاغية (التشبيه، والكناية)، وسيطر على الناقد في هذا المستوى الإعجاب بالشاعر المناضل والرمز الوطني.

المستوى الثاني:

يمكن أن توصف بأنها مرحلة النضج، وتمثلت في كتابه "في ذكرى محمود درويش" (2016)، مستخدما فيها بشكل بارز المنهج الإيقاعي البنيوي، لرصد الأوزان الخليلية، والاحتفاء بالصنعة، وفيها تقدير "المعلم" ومتابعة هندسته الفنية للقصيدة.

المستوى الثالث:

مرحلة "متلازمة درويش" والتفكيك (2020-2026)، واعتمد فيها الناقد على النقد الثقافي، والأنثروبولوجيا، والتفكيك، والميتا كتابة.        ونقد "الأسطرة"، وفصل الإبداع عن الشخصية، والدعوة لقتل "الأب الشعري".

تظهر هذه المستويات أن حج محمد لم يظل أسيراً لرؤية واحدة، بل طور أدواته بالتوازي مع تطور المشهد الثقافي الفلسطيني. فبعد رحيل درويش، شعر حج محمد بمسؤولية الناقد في "تحرير" الشعر الفلسطيني من سطوة الغياب الطاغي، وهو ما دفعه إلى تبني مواقف أكثر حدة وتساؤلاً.

لم يغفل المنهج النقدي عند حج محمد الجانب النثري في تجربة درويش. في قراءته للأعمال النثرية (يوميات الحزن العادي، ذاكرة للنسيان، رسائل سميح القاسم)، يرى حج محمد أن درويش الناثر لا يقل أهمية عن درويش الشاعر، يحلل حج محمد "يوميات الحزن العادي" بوصفها توثيقاً لسيرة المشرد الفلسطيني واللاجئ في وطنه، بينما يرى في "ذاكرة للنسيان" نصاً سردياً عجيباً يمزج بين الشعر والنثر ليؤرخ لفاجعة بيروت 1982.

يركز حج محمد في تحليله للرسائل المتبادلة مع سميح القاسم على "بساطة الشاعر وإنسانيته"، وكيف كشفت هذه الرسائل عن "خداع القلب" والهموم اليومية التي كانت تؤرق الشاعر بعيداً عن ألق المنصات. يرى حج محمد أن نثر درويش هو "المختبر" الذي نضجت فيه أفكاره النقدية حول الشعر، وهو المرجع الأساسي لفهم "الحالة الدرويشية" بكل تعقيداتها السياسية والوجودية.

بناءً على الدراسات المستفيضة التي أنجزها فراس حج محمد، يمكن استخلاص النتائج المنهجية التالية:

1. رفض "القداسة" الإبداعية: يشدد حج محمد على ضرورة التعامل مع درويش كمبدع يخضع لقوانين النقد والنقض، وليس كإله شعري فوق المساءلة. هذا الموقف يهدف إلى حماية حرية الناقد وحيوية المشهد الإبداعي.

2. النص كـ "فعل وجودي": يربط حج محمد بين اللغة وبين الكينونة، مستفيداً من الفلسفة الوجودية (سارتر) والصوفية (النفري) لتفسير رغبة درويش في الخلود عبر الكتابة ("هزمتك يا موت الفنون جميعها").

3. تكامل "الشكل والمضمون": يرفض حج محمد الفصل بين الوزن والمعنى، ويرى أن درويش كان واعياً تماماً بالوظيفة النفسية والسياسية للإيقاع، سواء في شعره المقاوم أو في قصائد "ورد أقل" التي اعتنت بـ "هندسة المعمار الفني".

4. الأنثروبولوجيا كأداة نقدية: أدخل حج محمد مفاهيم "الهوية البيولوجية" و"الرحم السياسي" في تحليل قصائد مثل "ريتا"، مما فتح آفاقاً جديدة للنقد تتجاوز التحليل الجمالي الصرف إلى التحليل الثقافي المعمق.

5. المسؤولية الأخلاقية للناقد: يرى حج محمد أن وظيفة الناقد ليست "التصفيق" للمبدع المشهور، بل الالتفات إلى المواهب الجديدة وكسر "الدائرة المغلقة" التي تفرضها المركزية الدرويشية على الثقافة الفلسطينية.

في الختام، يمثل منهج فراس حج محمد في دراسة شعر محمود درويش رحلة من "الوفاء النقدي" الذي لا يعني الانصياع، بل يعني القراءة العميقة والمكاشفة الصريحة. لقد استطاع حج محمد أن يحول درويش من "تمثال للنظر" إلى "مختبر للفكر"، مؤكداً في كل دراسة أن "على هذه الأرض ما يستحق القراءة"، وأن درويش سيظل خالداً ليس بصمته، بل بقدرة نصوصه على توليد جدل نقدي لا ينتهي. إن هذا المنهج المتطور، الذي يمزج بين العروض والبلاغة وبين الفلسفة والأنثروبولوجيا، يضع فراس حج محمد في طليعة النقاد الفلسطينيين الذين يمتلكون رؤية شمولية ومعاصرة للتجربة الإبداعية العربية.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio