ما أكثر الأيتام في مجتمعاتنا العربية، رغم أن آباءهم وأمهاتهم على قيد الحياة ويعيشون معهم تحت سقفٍ واحد . إنهم ليسوا أيتام فقدٍوا والديهم بالموت، بل أيتام فقدٍوا العاطفة والرعاية والاحتواء . آباء وأمهات ساهون عن أبنائهم، لا يمنحونهم وقتا، ولا يصغون إلى همومهم، ولا يغمرونهم بالمحبة والحنان، وقد شغلتهم أعمالهم وملاهيهم ونزوات أنفسهم عن أعظم أمانة بين أيديهم.
كم من آباء مقصرين في تربية أولادهم وهم بجانبهم، لكنهم كالأموات على هيئة أحياء! صحيح أن هناك من يعمل ويجاهد من أجل لقمة العيش، يعود إلى بيته منهكا متعبا، لا تكاد تسعفه قواه ليحتضن ابنه أو يُصغي إلى ابنته. غير أن الأبوة ليست طعاما وشرابا وكسوة فحسب، بل هي حضور واهتمام، توجيه وإرشاد، دفء وأمان.
وهناك من يُهمل أبناءه من أجل مهنته ومكانته الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، عندما عملت مراقبا لسلوك الأحداث، عالجت حالات لأبناء بعض الأطباء الذين يعملون في المستشفيات ليل نهار. وبسبب طبيعة عملهم الطويلة، أهملوا متابعة أبنائهم وتربيتهم، ثم حاولوا تعويض هذا الغياب بإغداق المال عليهم. لكن المال لا يعوض الحنان، ولا يزرع في القلب الحنان والعاطفة والدعم المعنوي والنفسي وشعور الأمان.
أذكر أن أحدهم قال لي يوما: “ماذا تريد مني؟ أنا أعمل ليل نهار كطبيب، بنيت بيتا فيلا، ولدينا سيارة مرسيدس، ولا ينقص ابني المال.”
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });فقلت له: لا الفيلا ولا المرسيدس ولا المال يربون الأولاد، ولا يعوضونهم عن حضن الأب والام ، ولا عن كلمته الدافئة، ولا عن جلوسه إلى جانبهم ليسمع شكواهم ويهديهم الطريق . الأبناء يريدون آباءهم سندا وظهرا، يفتخرون بهم لا بأموالهم، ويأنسون بقربهم لا بما يملكون.
وليس الآباء وحدهم من قد ينشغل؛ فهناك أمهات شغلهن العمل أو الاهتمام بالمظهر أو صحبة الصديقات، فغاب حضورهن الحقيقي عن حياة أبنائهن. وهنا ينطبق بيت الشعر الصادق:
“إنّ اليتيم من تجد له أمًّا تخلّت أو أبًا مشغولاً.”
إن الحرمان العاطفي يترك فجوة في نفس الطفل، وهذه الفجوة قد يملؤها رفاق السوء أو المخدرات أو العنف. فكم من شابٍ تورط في الجريمة لا لأنه فقير، بل لأنه محروم من كلمة طيبة، ومن حضنٍ آمن، ومن رقابة حانية. المال بين يديه، لكن قلبه فارغ.
ومع ذلك، لا بد أن نُشيد بالآباء والأمهات الذين أدركوا عِظم مسؤوليتهم؛ أولئك الذين يحتضنون أبناءهم، يُصغون إلى مشكلاتهم، يرشدونهم إلى الطريق المستقيم، ويدعمونهم معنويا وتربويا. هؤلاء هم الذين يزرعون الثقة في نفوس أبنائهم، ويبنون شخصياتهم على القيم والأخلاق.
أيها الأهل الكرام، إن إهمال الأبناء في هذا الزمان ثمنه باهظ. المجتمع مليء بالمغريات، بالمخدرات، وبأصدقاء السوء. ولكي تحموا أبناءكم من هذه الآفات، لا يكفي أن توفروا لهم المال، بل أغدقوا عليهم الحب والحنان، وكونوا لهم آذانا صاغية وقلوبا قريبة. ربوا أبناءكم في الصغر ترتاحوا بهم في الكبر.
فالسيارات الفارهة، والبيوت الفخمة، ومتاع الدنيا كلها لا تبني إنسانا سويا إن غاب الدفء الأسري. ما يبني شخصية الأبناء هو وجودكم الحقيقي إلى جانبهم، احتضانكم لهم، احترامكم لمشاعرهم، ومرافقتهم في مسيرتهم.
فاليتيم ليس فقط من فقد أباه أو أمه بالموت، بل من فقدهما وهما على قيد الحياة.
فلنحذر أن نصنع أيتاما في بيوتنا… ونحن نظن أننا نحسن إليهم.
الدكتور صالح نجيدات
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio