مقالات

نزيف الجريمة وتقاعس الدولة وحتمية المواجهة

خالد خليفة 10:53 16/02 |
حمَل تطبيق كل العرب

لم يعد الحديث عن الجريمة في مجتمعنا العربي في إسرائيل خبراً عابراً أو حادثة منفصلة يمكن تجاوزها في نشرات الأخبار. فنحن أمام واقع دموي يتكرر بوتيرة شبه يومية، حيث يسقط الضحايا الواحد تلو الآخر، وبينهم شباب في عمر السادسة عشرة والتاسعة عشرة، وكأنهم يُحكم عليهم بالإعدام خارج إطار القانون. والسؤال ذي يسال هو ليس من هو القاتل؟ بل أصبح يسال لماذا تُترك الساحة مفتوحة للقتل بهذا الشكل؟ ولماذا يبدو أن الدم العربي أقل إلحاحاً في سلّم أولويات هذه الدولة؟

بينما تتعامل الحكومة مع هذا الملف ببرود مقلق. فالتصريحات الرسمية من المسؤولين تتكرر، والخطط تُعلن ولا تنفذ، لكن النتائج على الأرض محدودة للغاية. فالشرطة تدّعي نقص الأدوات أو الصلاحيات أو الموارد، ولكن التجربة تثبت أن الدولة، حين تريد، تعرف كيف تحشد إمكانياتها. يكفي أن نتذكر ما حدث في مدينة نيويورك خلال تسعينيات القرن الماضي، حين قاد رئيس البلدية آنذاك Rudy Giuliani حملة حازمة ضد الجريمة المنظمة، فاستعادت المدينة أمنها خلال سنوات قليلة بعد أن كانت توصف بمدينة الخوف والرعب. فالفرق لم يكن في المعجزات، بل في الإرادة السياسية والقرار الواضح بأن الأمن أولوية لا تقبل التردد.

بينما في المقابل، تبدو الحكومة الإسرائيلية وكأنها تتعامل مع الجريمة في المجتمع العربي كملف هامشي. لا نرى لجان تحقيق خاصة، ولا خطط طوارئ حقيقية، ولا تعبئة شاملة للأجهزة الأمنية. بل إن بعض الخطاب الإعلامي العبري يتعامل مع الظاهرة بقدر من الشماتة أو التعميم الخطير فعلينا ان نتخيل فقط لو ان 10% من هذه الجرائم وقعت في رعنانا او رماته شارون فماذا سيكون رد الفعل، وكأن العرب “يقتلون بعضهم البعض بطبيعتهم”. ان هذا الخطاب لا يبرر التقاعس فحسب، بل يغذي صورة نمطية عنصرية تبرئ الدولة من مسؤولياتها.

أما المعارضة، فصوتها خافت في هذا الملف. فنادراً ما نسمع مواقف حادة أو مبادرات جدية تضع الجريمة في المجتمع العربي في مركز النقاش العام. الصمت هنا ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار الواقع القائم. حين يُقتل هذا العدد من المواطنين في أي مجتمع آخر، تهتز الدولة. أما حين يكون الضحايا عرباً، فإن رد الفعل يبقى محدوداً.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

اما الشرطة فمن جهتها تكرر أن المشكلة مركّبة، وأنها بحاجة إلى تعاون المجتمع وكل ذلك لتتهرب من مهامها الاساسية في مكافحة العنف، ولكن من واجب الدولة أن تبادر أولاً وعلينا ان ننظر الى فكيفية حل رموز الجرائم من قبل الشرطة قبل عقود حيث كانت تحقق الإنجازات بدون ما تدهيه الان من عدم وجود ملكات تكنولوجية، ان هذه الأسئلة مشروعة، وطرحها ليس تحريضاً بل مطالبة بالمساواة في الحق بالحياة الكريمة والأمن التي تسلبها منا الحكومة.

وإلى جانب الجريمة، تتفاقم أزمات السكن وهدم المنازل وغياب التخطيط العادل. الشاب الذي لا يجد أرضاً ولا مسكناً ولا فرصة عمل، يصبح أكثر عرضة للانجراف إلى دوائر العنف. فمعالجة الجريمة لا تكون فقط بالمداهمات، بل بسياسات تنموية واضحة: توزيع عادل للأراضي، دعم مشاريع الإسكان، استثمار في التعليم والتشغيل، ومكافحة حقيقية للسلاح غير القانوني.

وأمام هذا الواقع، لا يمكن للمواطنين العرب الاكتفاء بالغضب أو الحزن. فالمطلوب أولاً ضغط شعبي منظم: مظاهرات واسعة، لجان شعبية، متابعة قانونية لكل جريمة، ومساءلة القيادات المحلية عن دورها. كما يجب على النواب العرب توحيد صفوفهم حول برنامج واضح يضع الأمن الشخصي في رأس الأولويات، والمطالبة بخطة حكومية ملزمة بجدول زمني وميزانيات محددة.

وفي حال استمرت الحكومة في تجاهل الأزمة، فإن الخيارات الديمقراطية تبقى مفتوحة وهي بناء قائمة عربية مشتركة تشكل جسم مانع قوية قادرة على فرض شروط واضحة في أي حكومة مستقبلية، وربط أي تحرك سياسي بخطوات ملموسة في مكافحة الجريمة وتطوير البلدات العربية. كذلك يمكن التوجه إلى محكمة العدل الدولية والاتحاد الاوروبي للطعن في سياسات التمييز، واستخدام الأطر الدولية الحقوقية للضغط من أجل المساواة في الحماية والأمن.

فنحن أمام مفترق طرق إما أن يستمر النزيف حتى يصبح مشهداً اعتيادياً، أو أن يتحول الألم إلى قوة ضغط منظمة تغيّر المعادلة. فالدم الذي يسيل ليس قدراً، بل نتيجة قرارات أو غياب قرارات. والمجتمع الذي يريد الحياة عليه أن يطالب بها بصوت عالٍ، وأن يفرضها عبر العمل المنظم والوحدة والمثابرة.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio