مقالات

حين يشيخ النضال الحزبي وتنهض الجماهير وحدها../ بقلم: مرعي حيادري

مرعي حيادري 10:24 13/02 |
حمَل تطبيق كل العرب

على امتداد عقود طويلة، عاشت جماهيرنا تجارب قاسية من التمييز والإقصاء، رافقتها محطات نضالية شكّلت علامات بارزة في الوعي الجمعي؛ من يوم الأرض إلى هبّات الأقصى وصولًا إلى الاحتجاجات الأخيرة ضد موجات العنف والجريمة. ومع كل تلك اللحظات التي ظنّ الناس أنها بداية لتغيير حقيقي، بقيت المنظومة السياسية العربية في الداخل عاجزة عن تحويل هذا الزخم الشعبي إلى مشروع استراتيجي مستدام..

فالمشهد الحزبي العربي اليوم يعاني من تراكمات عمرٍ سياسي طويل جعلت بنيته تبدو كبيتٍ قديمٍ تهالكت جدرانه ولم يعد الترميم الموضعي كافيًا لإنقاذه. فالقادة الذين تصدّروا الواجهة على مدى سنين كثيرة، ظلّوا متمسكين بمواقعهم حتى بدا وكأن التجديد ممنوع، وكأنهم باتوا جزءًا من حالة الجمود نفسها. لم يعد الأمر مرتبطًا بالنيات، بل بقدرة هذه البنى على مواكبة واقع يتغير بسرعة أكبر مما تستطيع هي استيعابه..

وفي ظل هذا الجمود، ترسّخ رهان يكاد يكون وحيدًا لدى كثير من تلك القيادات: زيادة التمثيل العربي في الكنيست باعتباره الطريق الرئيس نحو انتزاع الحقوق. إلا أنّ التجربة أظهرت محدودية هذا الرهان. فالحكومات، على اختلاف اتجاهاتها، حافظت على نهج يكاد يكون ثابتًا في التعامل مع المواطنين العرب، تختلف حدّته لكنه يبقى في الأساس قائمًا على سياسات بنيوية لا تتأثر بعدد النواب ولا بخطاباتهم. ومع مرور الوقت، اتضح أن الإيمان بأن البرلمان الإسرائيلي يمكن أن يتحوّل إلى أداة إنقاذ للجماهير كان أقرب إلى وهمٍ سياسي، طالما أن البنية التي تديره لا تمنح الصوت العربي وزنًا حقيقيًا..

هذا الواقع جعل الفجوة تكبر بين الجماهير وقياداتها. فالجمهور الذي قدّم التضحيات في الشارع، وراكم خبرات من الاحتجاجات والهبات، وجد نفسه أمام أحزاب لم تنجح في تحويل تلك اللحظات إلى إنجاز ملموس، ولم تطرح مشروعًا جماعيًا قادرًا على الصمود أمام تعقيدات المرحلة. فلا رؤية استراتيجية بعيدة المدى ظهرت، ولا تخطيطًا مؤسساتيًا يجمع الطاقات ويوحّد الناس حول مشروع واضح. وحتى الخطاب السياسي ظلّ أسير اللحظة، متردّدًا بين الشعارات والوعود، دون بناء أدوات عملية لمواجهة التحديات..

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ومع غياب هذا المشروع، أصبح طبيعيًا أن تتعالى الأسئلة داخل المجتمع نفسه: كيف يمكن لقيادات لم تُجدد نفسها منذ سنوات، وتعجز عن معالجة مشكلات بيوتها الحزبية الداخلية، أن تقود شعبًا يبحث عن أمن وعدالة وكرامة؟ وكيف يمكن لجماهير أنهكتها التجارب أن تستمر في الوثوق بمسار لم يثبت نجاحه، وبأدوات لم تُحدّث، وبأحزابٍ لم تقدّم ما يتناسب مع حجم التحديات أو طموح الناس؟

الحقيقة أن الأزمة لا تكمن في الأشخاص وحدهم، بل في نموذج سياسي بأكمله استُهلك حتى النهاية. وإذا كان من ضرورة للتغيير، فهو لا يعني إسقاط أحد بقدر ما يعني فتح الباب لمرحلة جديدة: مرحلة تعيد تعريف مفهوم القيادة، وتتيح دخول وجوه جديدة تمتلك القدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما تتخيله الأحزاب القديمة. مرحلة تجعل النضال متعدد المسارات: مدنيًا، شعبيًا، ثقافيًا، حقوقيًا، ومؤسساتيًا، لا مسارًا برلمانيًا واحدًا تُعلّق عليه كل الآمال..

إن إدراك محدودية الأدوات القائمة هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل مختلف. وإذا كان هناك من درس مستخلص من عقود كاملة من التجارب، فهو أن القيادات الحالية، بأشكالها المعروفة، لم تعد قادرة على حمل تطلعات الجماهير أو قيادة المرحلة القادمة. ليس لأنّها سيئة، بل لأنها أصبحت امتدادًا لزمنٍ سياسي لم يعد موجودًا، فيما الواقع يفرض شروطًا جديدة تحتاج إلى فكر جديد ودم جديد وأدوات جديدة..

إن التغيير الحقيقي لا يبدأ عندما تسقط الوجوه، بل عندما تنهض الرؤى. وحين ينهض مجتمعٌ كامل يدرك أن قوته الحقيقية لا تُختزل في مقعدٍ نيابي، ولا في حزبٍ عتيق، بل في وعيه وقدرته على إنتاج قيادة ترتقي إلى مستوى آلامه وآماله معًا..

اللهم اني كتبت وقرأت وحللت واستنتجت بما جاد به قلم الحس والحدس، والحقيقة الصادقة برؤية تنسجم مع واقع الحدث.. وأن اخطأت فقوموني يا سادتي..

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio