مقالات

إيران وفلسطين… إسرائيل وإيران

د. رائف حسين  23:38 12/02 |
حمَل تطبيق كل العرب

لا شك في أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترفض الاعتراف بدولة إسرائيل، وتعتبر حقها في الوجود على أراضي الشعب الفلسطيني باطلاً. ومن المؤكد أيضاً أن الجمهورية الإسلامية، منذ أن أطلق الإمام الخميني جملته الشهيرة بعد انتصار الثورة الإسلامية، حين قال "اليوم طهران، وغداً القدس"، تعبر عن دعمها الثابت لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه التاريخية بلا أي شروط أو قيود .

الخصومة الدائمة بين إيران وإسرائيل تستند إلى الدعم غير المشروط الذي تقدّمه القيادات الإيرانية المتعددة لنضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني. لكن يبقى السؤال الاستراتيجي في هذا السياق: ماذا بإمكان إيران أن تفعل، أو كيف ستتصرف قيادتها إذا قبلت غالبية الشعب الفلسطيني بما هو أقل من أراضي فلسطين التاريخية كدولة لهم؟ وإذا توصل إلى تسوية للصراع الفلسطيني الصهيوني إما عبر حل الدولتين، أو بطرق أخرى كحل الدولة الواحدة في فلسطين التاريخية، فهل ستظهر إيران بمظهر الكاثوليكي الأكثر حرصًا من البابا نفسه؟

أرى أن القيادة السياسية البراغماتية في إيران لن تتوانى عن احترام إرادة الأغلبية من الشعب الفلسطيني، وستواصل السير قُدماً في دعم هذا التوجه. لكن الخوف الأعظم من تحقق هذه الفرضية، إذا ما تحقق يوماً ما، يكمن في القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية. إن إسرائيل الحالية تختلف تماماً عن إسرائيل الأولى والثانية، اللتين انتهت عملياً في العام 2005، بعد خروج شارون من غزة وصعود نجم بنيامين نتانياهو مجدداً، لتصبح هذه هي إسرائيل الثالثة.

يجب الإشارة إلى أن إسرائيل الثالثة، وفقًا لرؤيتي، لم تشهد تغييرات فقط على الأصعدة الاجتماعية والسياسية والحزبية والاقتصادية، بل إن التحول قد طال أيضًا الإيديولوجيا. لقد تمكن نتنياهو من صياغة إيديولوجيا جديدة لإسرائيل الثالثة، أطلق عليها اسم "النتانياهوية" أو "الصهيونية الجديدة". تعتمد هذه الأيديولوجيا على استراتيجيات جديدة ومبتكرة في معالجة القضية الفلسطينية وعلاقتها بالشعب الفلسطيني، وكذلك في تحديد موقع إسرائيل في خريطة الشرق الأوسط .

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

نجح نتنياهو في تفكيك المعادلة التي وضعتها الصهيونية التقليدية، والتي كانت تشير إلى أن إيجاد حل للقضية الفلسطينية سيفتح أمام إسرائيل أبواب الانضمام إلى منتدى دول الشرق الأوسط. وقد أثبت أن التطبيع مع بعض الدول العربية يمكن أن يتم دون الحاجة إلى حل للقضية الفلسطينية، كما ظهر جلياً في علاقاته مع الإمارات والبحرين ودول عربية وإسلامية أخرى. وقد أسهم في تحقيق هذه الاستراتيجية النزاع مع إيران، حيث جعل هذا النزاع محوراً رئيسياً في جهوده للتقرب من الدول الخليجية والعربية والإسلامية. منذ أن بزغ نجم نتنياهو وبداية ما يُعرف بإسرائيل الثالثة في عام 2006، أصبحت الاستراتيجية الإسرائيلية تدور حول تصنيف التهديد الإيراني كأولوية قصوى، ومعاملته كخطر وجودي ليس لإسرائيل فحسب، بل وللمجتمع اليهودي ككل .

لقد تمكن نتنياهو من إقناع دول الخليج بأن العدو المشترك الذي يواجه كل من إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي هو إيران، التي يرى أنها تسعى لتدمير إسرائيل واحتلال أجزاء من أراضي الخليج العربي. هذه الصورة المروعة للتهديد العسكري الإيراني، التي رسمتها إسرائيل، أسهمت في فتح أبواب التطبيع بين أكثر الحكومات عنصرية في تاريخ إسرائيل وبعض الدول العربية. وقد نجح التلويح بخطر "المد الشيعي" المنبثق من إيران في بث الخوف بين دول إسلامية سنية أخرى، مما دفع العديد منها للبدء في خطوات التطبيع مع إسرائيل، مثل المغرب وأذربيجان ودول إسلامية أخرى .

يتجلى المحور الرئيسي في استراتيجية نيتانياهو لتموقع إسرائيل في قلب الشرق الأوسط في استحضار شبح التهديد الإيراني الشيعي، إلى جانب دعمها للكيانات المعادية لإسرائيل في فلسطين ومناطق أخرى من الشرق الأوسط .

إيران تواجه معضلة استراتيجية حاسمة؛ فهي، كجمهورية إسلامية، تجد نفسها ملزمة بتحرير القدس ودعم كفاح الشعب الفلسطيني لاستعادة أرضه، دون أن تفقد جوهر اسمها الإسلامي، مما قد يؤدي إلى تصدع كبير في أيديولوجيتها الإسلامية، ويعرض نظامها السياسي لخطر فقدان الشرعية في عيون الجماهير المحافظة داخل إيران. من جهة أخرى، تدرك إيران أن مواقفها حيال القضية الفلسطينية تمنح الفرصة لنتنياهو وحكومته الفاشية للانطلاق في مشروعهم الاستعماري في فلسطين المحتلة، مما يسهل عليهم ترسيخ وجود إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، فإن موقف إيران الغامض تجاه دول الخليج وعدم انفتاحها على استراتيجية احتواء شاملة لهذه الدول وشعوبها، يزيد قدرة نتنياهو على تشويه صورة إيران واستقطاب دول الخليج إلى جانبه. لقد جاء تأكيد هذا الأمر من خلال المؤتمر الأخير للسياسات الخارجية الذي أقامته وزارة الخارجية الإيرانية في طهران، حيث اعترفت قيادات رفيعة المستوى في النظام الإيراني بأنهم قد أبدوا تقديرات خاطئة في توجهاتهم السياسية الخارجية على مدى السنوات الخمسة عشر الماضية .

الضربات القاسية التي تعرضت لها إيران في مواجهتها الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن الضغوطات التي وجهتها الأخيرة لحلفاء إيران في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله وسوريا البعثية، قد أسهمت في تآكل قوة الموقف الإيراني. هذه الأحداث منحت العنجهية الإسرائيلية في المنطقة زخماً جديداً . 

إسرائيل، التي تروّج بالتعاون مع الإدارة الأمريكية بأنها استطاعت إرجاع برنامج إيران النووي والصاروخي سنوات عدة إلى الوراء، رغم افتقارها للأدلة القاطعة التي تثبت هذا النجاح، قد زادت قوة موقفها في الإقليم، وأضعفت الموقف الإيراني بشكل ملحوظ. وبفضل هذا الادعاء المضلل بالنجاح، تمكنت إسرائيل من إقناع إدارة ترامب مجددا بتعزيز وجود قوات أمريكية ضخمة في المنطقة تحضيراً لضربة أخرى ضد إيران. الهدف الأساسي، كما صرح به كل من ترامب ونتانياهو، هو الإطاحة بالنظام في إيران . 

يمكننا أن نقول بجلاء أن هناك تحولاً استراتيجياً ملحوظاً في كيفية مواجهة القوة الإيرانية. فقد انتقل خصوم إيران من استراتيجية تقويض النظام وكبح قوته العسكرية ونفوذه الإقليمي إلى استراتيجية تهدف إلى تغيير النظام في طهران. سعت إسرائيل والولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية إلى استثمار المظاهرات الأخيرة المشروعة التي اندلعت نتيجة الأوضاع الاقتصادية القاسية التي تعانيها معظم المدن الإيرانية، في وقت يتصاعد فيه دق طبول الحرب ضد إيران، حيث توالت التهديدات باغتيال المرشد أو اختطافه، بالإضافة إلى حشد القوات في محيط إيران من الاتجاهات جميعهن لزيادة الضغط على النظام. الهدف الظاهر لإسرائيل هو دفع الولايات المتحدة إلى شن حرب ضد إيران بمشاركة مباشرة منها. إن إسرائيل في أمس الحاجة إلى هذه الحرب أكثر من أي وقت مضى، ولأسباب متعددة .

السبب الأبرز يكمن في طموح نتانياهو لإلغاء الصهيونية التقليدية وإرساء دعائم "النتانياهويه" (الصهيونية الجديدة) كأيدلوجية جديدة تهيمن على مستقبل إسرائيل. ورغم أن نتانياهو قد حقق إنجازات لافتة في هذا المجال، إلا أن المعركة لم تنته بعد. حربه مع دولة قوية مثل إيران تمنحه الفرصة لإكمال مشروعه، وهو يدرك تماماً أن المجتمع اليهودي الإسرائيلي بكامل طيفه، بما في ذلك نخبه السياسية، سيتوحدون خلفه ويدعمونه في هذه الحرب. هذه الظروف تمنحه فرصة لتمديد مشروعه، بل وربما تأجيل الانتخابات البرلمانية لكسب المزيد من الوقت. كما أنه يدرك تماماً أن الصراعات التي أشعلها خلال العامين الماضيين قد عززت مكانته بشكل ملحوظ في الساحة السياسية الإسرائيلية، وهو ما تعكسه استطلاعات الرأي المتنوعة .

ثانيا: إن إسرائيل تعتزم من خلال هذه الحرب إتمام مشروعها الرامي إلى فرض السيطرة على الشرق الأوسط. فقد غيّر نتانياهو استراتيجية الهيمنة الصهيونية التي كانت تركز على احتلال الأراضي العربية المحيطة بإسرائيل، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على الاستيلاء العسكري والاستيطان فحسب، بل انتقل إلى أساليب أكثر خفاءً، من خلال تعزيز الانقسام والتفتيت في الدول العربية عبر دعمه العسكري واللوجيستي للقوى الانفصالية. وهذا ما تجلى بجلاء في تعامله مع الأوضاع في سوريا والسودان، فضلاً عن اعترافه الأخير بـ "صوماليا لاند". إن هذه الاستراتيجية لا تقتصر على هذين البلدين فحسب، بل تمتد لتشمل دولًا أخرى في الإقليم مثل إيران وتركيا. ومن يعيق تحقيق هذه الأهداف هم بعض الدول العربية في المنطقة، فضلاً عن دول أخرى تدرك تماما أن تقسيم سوريا والسودان وليبيا يشكل تهديدًا لأمنها القومي. ستشهد المنطقة حربًا شاملة ضد إيران ستطال تلك الدول، ما سيسبب لها دمارًا عظيمًا يجعلها مشغولة لسنوات طويلة في معالجة جراحها. هذا السيناريو يتيح لإسرائيل الفرصة للتلاعب بمكونات الشرق الأوسط تحت مظلة الحماية الأمريكية، وكذلك لتوسيع نفوذها الجيوسياسي ليشمل كافة أرجاء المنطقة. وهذا ما سعى نتانياهو لإقناع الرئيس الأمريكي به خلال زيارته الأخيرة .

تراجع الولايات المتحدة المؤقت عن التفكير في توجيه ضربة عسكرية إلى إيران يعود إلى عدة عوامل، أبرزها إدراك الدوائر العسكرية والاستخباراتية الأمريكية لقوة إيران الصاروخية. فحتى لو استمرت الهجمات لأسابيع أو شهور، فإنها لن تؤدي إلى الإطاحة بالنظام الإيراني، وذلك بسبب الدعم الشعبي الواسع الذي يحظى به النظام، وضعف القوى الانفصالية، بالإضافة إلى تعقيدات التركيبة الاجتماعية والسياسية في إيران. بالإضافة إلى ذلك، جاء موقف الدول الشرق أوسطية الحليفة للولايات المتحدة واضحاً وصريحاً، حيث أكدت أنها لن تسمح للقوات الأمريكية باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها لشن هجمات على إيران، مما أوقف حماس ترامب المتزايد تحت تأثير نتانياهو لبدء حرب ضد إيران. في النهاية، تجلى عدم ثقة الإدارة الأمريكية في خليفة النظام الإيراني كعامل رئيسي في سقوط ذلك النظام. وقد أظهرت دراسات متعددة أن إيران قد تتحول إلى نسخة جديدة من أفغانستان أو العراق، مما يمثل مصدر قلق بالغ للإدارة الأمريكية، ويخالف الاستراتيجيات التي وضعها ترامب للشرق الأوسط. كما أن الموقف الروسي والصيني، وخاصة تزويد الصين لإيران بأسلحة نوعية، لا سيما الدفاعات الجوية الحديثة، قد دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرار بفتح باب المفاوضات مع الجانب الإيراني .

لا يزال من المبكر الحديث عن أن طبول الحرب قد خفت صوتها. نعم، قد تتراجع قليلاً، إلا أن الجانب الإسرائيلي يواصل جهوده في الخفاء لإعادة إيقاعها، مُحاولاً إقناع الدول الخليجية بالتراجع عن مواقفها تجاه مجالها الجوي والأرضي. كما أن العمليات الاستخباراتية تُمارس في شمال العراق، وفي أعماق إيران لزيادة الضغط المباشر من القوى الانفصالية هناك، مما يدفع النظام الإيراني نحو تصعيد العنف ضدهم، وهذا يضع ترامب في موقف محرج، مما يجعله مائلًا نحو وقف المفاوضات والعودة إلى خيارات الحرب .

إسرائيل تأسست كمشروع استيطاني إحلالي على أنقاض حقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة العربية، مما يجعلها في صراع مستمر مع تطلعات الفلسطينيين في ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم على أرضهم، وأيضًا في مواجهة دائمة مع جميع شعوب الشرق الأوسط التي تسعى للعيش بسلام وكرامة على أراضيها. على الرغم من التنازلات الجسيمة التي قدمها العرب والفلسطينيون لإسرائيل، إلا أنها لا تدرك أن جشعها الاستعماري لم يشبع، لذا نراها دومًا تبحث عن ذرائع للقيام بالحروب في المنطقة .

إن تراجع الدول العربية وغير العربية في منطقة الشرق الأوسط عن اتخاذ خطوات جريئة وفعالة لمواجهة العدوان الصهيوني المستمر، كما تجلى بجلاء في الحرب الأخيرة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، يتيح لإسرائيل الاستمرار في تنفيذ سياساتها العدوانية تجاه شعوب المنطقة. إن قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل تام من جميع دول الإقليم مع إسرائيل، وإيقاف جميع أشكال التجارة والتعاون معها، من شأنه أن يبعد نتانياهو والفاشية الصهيونية عن الساحة، مما يفتح الطريق نحو قبول حل عادل للقضية الفلسطينية، ويساهم في إنهاء النزاعات المستمرة في الشرق الأوسط .

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio