الدكتور عمر مصالحة – ابن قرية دبورية وابن مجتمعنا العربي
تزخر مجتمعاتنا العربية في الداخل الفلسطيني بشخصيات وطنية وعلمية مرموقة، كان لها دورا بارزا في ميادين الفكر والعلم وخدمة الإنسان، ويأتي في مقدمة هذه الشخصيات الدكتور عمر مصالحه، ابن قرية دبورية الواقعة على السفح الغربي لجبل الطور، والتي أنجبت على مرّ السنين كفاءات علمية أسهمت في رفع اسم المجتمع العربي عاليًا.
وُلد الدكتور عمر مصلحه عام 1945 في قرية دبورية، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة، آمنت بقيمة العلم والمعرفة طريقا للارتقاء الفردي والجماعي. أنهى دراسته الابتدائية في قريته دبورية، ثم انتقل لمتابعة دراسته الثانوية في الناصرة، حيث برز تفوقه الدراسي وشغفه بالعلم منذ سنواته الأولى.
بعد إنهاء المرحلة الثانوية، التحق بالجامعة العبرية في القدس، حيث أنهى اللقب الأول بنجاح، واضعا بذلك اللبنة الأولى لمسيرته الأكاديمية المتميزة. ولم يكتفِ بهذا الإنجاز، بل سافر إلى سويسرا لمواصلة دراسته العليا، فحصل على اللقب الثاني من جامعة جنيف، إحدى أعرق الجامعات الأوروبية.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وانطلاقا من طموحه العلمي، انتقل الدكتور عمر مصالحه إلى فرنسا، حيث واصل مسيرته الأكاديمية المشرفة، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في علم النفس، وهي من أرفع المؤسسات الأكاديمية في العالم. ولم تتوقف إنجازاته عند هذا الحد، إذ عمل في جامعة السوربون لمدة أربع سنوات، مسهما في البحث العلمي والتدريس الجامعي، ومثبتا قدرة الأكاديمي العربي على التميز في أرقى المحافل العلمية الدولية.
إن سيرة الدكتور عمر مصالحه ليست مجرد قصة نجاح فردية، بل هي نموذج ملهم لأبناء مجتمعنا العربي، ودليل حي على أن الإصرار على العلم، رغم التحديات، قادر على فتح آفاق واسعة من الإنجاز والعطاء. فهو ابن القرية، وابن المجتمع، الذي حمل همّ المعرفة ورفع اسم وطنه عاليا في ميادين الفكر والبحث العلمي.
ويبقى الدكتور عمر مصالحة مثالًا يُحتذى به للأجيال الصاعدة، ورسالة أمل بأن الاستثمار في التعليم هو الطريق الأصدق لبناء مجتمع واعٍ، متماسك، وقادر على صناعة مستقبله.
إلى جانب مسيرته الأكاديمية الرفيعة، كان للدكتور عمر مصالحة حضور وطني ودولي بارز في الساحة السياسية والثقافية. فقد عمل في مكتب الإعلام التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال الفترة ما بين 1974 – 1980، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، ساهم خلالها في إيصال الصوت الفلسطيني إلى المحافل الدولية وتعزيز الحضور الإعلامي والسياسي للمنظمة.
وفي عام 1980 عُيّن سفيرا لفلسطين لدى منظمة اليونسكو، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1993، حيث مثل فلسطين بكل اقتدار وكفاءة، وأسهم في تعزيز مكانتها الثقافية والإنسانية داخل هذه المنظمة الدولية، مدافعا عن حق الشعب الفلسطيني في الهوية والتراث والتعليم.
وفي مرحلة لاحقة، تولّى منصب مدير المنظمات غير الحكومية في منظمة اليونسكو بين عامي 2000 – 2006، وهو منصب دولي مرموق عكس حجم الثقة التي حظي بها، ومكانته المهنية العالية، وقدرته على العمل في بيئات دولية متعددة الثقافات.
لقد شغل المرحوم مناصب رفيعة وحساسة، جمعت بين البعد الأكاديمي والوطني والإنساني، وكان في كل موقعٍ يتولاه نموذجا للمثقف الملتزم بقضايا شعبه، والمنفتح في الوقت ذاته على العالم.
توفي الدكتور عمر مصالحة عام 2012 في باريس، بعيدا عن وطنه، في مشهد مؤلم يتكرر مع كثير من رموز شعبنا، إذ رفضت إسرائيل إدخال جثمانه إلى وطنه الأم، ليبقى رحيله شاهدا آخر على الظلم الذي يطال حتى الأموات، وعلى معاناة الفلسطيني في حياته وبعد مماته.
وعلى الصعيد الإنساني والشخصي، أتيحت لي فرصة اللقاء بالمرحوم عدة مرات في بيت أهله في دبورية، وكان انطباعي عنه إيجابيا جدا. فقد كان شخصية كاريزمية، إنسانا منفتحا، اجتماعيا، واسع الثقافة، ويطيب الحديث معه لما يمتلكه من حضور لافت وأسلوب راقٍ في الحوار، يجمع بين العمق والبساطة.
تزوج الدكتور عمر مصالحة من امرأة قبطية، وأنجب منها ولدين:
الأول مخرج سينمائي، والثاني مدير التلفزيون الفرنسي في القاهرة، في دلالة واضحة على بيئة ثقافية منفتحة، آمنت بالإبداع والعلم والتعددية.
إن الحديث عن الدكتور عمر مصالحه هو حديث عن قفزة إنسانية وعلمية ووطنية، وعن نموذج مشرف لأبناء مجتمعنا العربي، الذين استطاعوا أن يصلوا إلى أعلى المراتب العلمية والدبلوماسية، دون أن يتخلوا عن هويتهم أو قضايا شعبهم.
رحم الله الدكتور عمر مصلحه،
وتغمده بواسع رحمته،
وأسكنه فسيح جناته،
وجعل ما قدمه من علمٍ وعطاء في ميزان حسناته.
الدكتور صالح نجيدات
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio