مقالات

توهم الفهم السياسي: كيف يظن البعض أنهم على مستوى القرار؟"

محمد بدران 12:49 11/02 |
حمَل تطبيق كل العرب

في زمن الضجيج السياسي وتضخّم المنصّات، لم يعد الوعي السياسي قيمة نادرة، بل صار ادّعاؤه هو الظاهرة الأوسع انتشارًا. كثيرون يتحدّثون بثقة، يُصدرون الأحكام، ويُحلّلون القرارات الكبرى، وكأنهم جزء من غرف القرار، بينما هم في الحقيقة أسرى توهم الفهم السياسي لا الفهم ذاته.

من المعرفة إلى الوهم...

الفهم السياسي ليس تجميع معلومات متفرقة، ولا متابعة أخبار عاجلة، ولا ترديد تحليلات جاهزة. الفهم الحقيقي يقوم على إدراك ميزان القوة، وتعقيد المصالح، وحدود الممكن. أما الوهم، فينشأ حين يختزل الفرد السياسة في رأي شخصي، أو موقف أخلاقي مجرد، ثم يظن أن هذا وحده كافٍ ليكون "خبيرًا" أو "صاحب قرار".

تضخيم الذات في زمن المنصّات...

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مركزيًا في هذه الظاهرة. فكل من امتلك منبرًا افتراضيًا صار يظن أن صوته يعادل وزن المؤسسات، وأن موقفه يوازي حسابات الدول. هنا يتضخّم الأنا السياسي، ويتحوّل التعليق إلى بديل عن التحليل، والانفعال إلى وهم تأثير.

الخلط بين الرأي والقرار...

الرأي حق، أما القرار فمسؤولية تاريخية. من أخطر مظاهر التوهم السياسي أن يخلط الإنسان بين الاثنين؛ فيُسقِط مشاعره على الواقع، ثم يُدين صانعي القرار لأنهم لم يتحركوا وفق انفعاله، لا وفق تقديرهم للنتائج والعواقب. هذا الخلط يُنتج غضبًا دائمًا، ووعيًا مشوّهًا، وشعورًا زائفًا بالخذلان.

غياب فقه المآلات...

السياسة، في جوهرها، ليست فقط اختيار الصواب الأخلاقي، بل ترتيب الأولويات وتقليل الخسائر. توهم الفهم السياسي يتجلّى حين يُطالب البعض بقرارات كبرى دون إدراك كلفتها، أو يدعو لمواقف "نقيّة" دون سؤال: ماذا بعد؟ وكيف؟ وعلى حساب من؟

حين يصبح الجهل صاخبًا...

الوعي الحقيقي غالبًا هادئ، متردّد، يسأل قبل أن يحكم. أما الوهم، فصاخب، جازم، لا يعترف بالتعقيد. ولهذا تنتشر الخطابات الحادّة، والاتهامات السهلة، وكأن السياسة مسألة أخلاق فردية لا منظومة مصالح متشابكة.

نحو وعي سياسي ناضج...

الخروج من توهم الفهم السياسي يبدأ بالاعتراف بالحدود: حدود المعرفة، وحدود التأثير، وحدود الممكن. ويبدأ كذلك بالتمييز بين الموقف الأخلاقي الذي نتمسّك به، والقرار السياسي الذي يُدار بمنطق المآلات. فليس كل من فهم المشهد مؤهّلًا للقرار، وليس كل من لم يُقرِّر خائنًا أو جاهلًا.

خاتمة...

إن أخطر ما تُنتجه مرحلة السيولة السياسية ليس غياب الوعي، بل تضخّم وعيٍ متوهَّم يرفض الاعتراف بحدوده، ويُحاكم الواقع بمنطق الرغبة لا بمنطق الإمكان. فحين يعتقد البعض أنهم في موقع القرار لمجرد أنهم يملكون رأيًا، تتحوّل السياسة إلى ساحة صراخ، ويُختزل التعقيد في اتهام، وتُختنق الحكمة تحت ضغط الانفعال. الوعي السياسي الناضج لا يدّعي البطولة، ولا يتغذّى على الغضب، بل يقوم على فهم الموازين، وتقدير المآلات، والتمييز بين ما نتمناه وما نستطيع تحقيقه. وما لم نُربِّ مجتمعاتنا على هذا الوعي، سنبقى ندور في حلقة الاتهام، نُخطئ التشخيص، ونستهلك طاقتنا في معارك وهمية، بينما القرار الحقيقي يُصاغ بعيدًا عن ضجيج المتوهّمين......

بقلم الشيخ الدكتور محمد بدران – مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio