مقالات

ارتكاب الجرائم لم يقتصر بعد على أبناء العائلات المفككة والمنحرفين، بل أصبح يشمل أيضا أبناء الأغنياء والطبقة المتعلمة

الدكتور صالح نجيدات 00:43 09/02 |
حمَل تطبيق كل العرب

لطالما سادت في علم الجريمة وعلم الاجتماع نظريات ربطت بين الجريمة والفقر، والتفكك الأسري، والتهميش الاجتماعي، وركزت دراساتها على أبناء الطبقات الفقيرة والمحرومة باعتبارهم البيئة الأكثر إنتاجا للجريمة. غير أن الواقع المعاصر، وعلى ضوء ما نشهده اليوم من جرائم متفشية في مختلف أنحاء العالم، يفرض علينا مراجعة جذرية لهذه النظريات، بل وتعديلها أو إعادة بنائها من جديد.

فالجريمة لم تعد حكرا على أبناء العائلات المفككة أو المنحرفين اجتماعيا، بل أصبحت تشمل أبناء الأغنياء، وأبناء الطبقة المتعلمة، بل وتغلغلت في أعلى هرم السلطة والنفوذ. اليوم نشهد رؤساء دول عظمى يرتكبون أفظع الجرائم من قتل جماعي، واغتصابقاصرات وتهجير الأبرياء من اوطانهم ، دون رادع أخلاقي أو إنساني. ونرى رؤساء حكومات ووزراء يتورطون في سرقة المال العام، والفساد المنظم، واستغلال مناصبهم لتحقيق مصالح شخصية على حساب شعوبهم.

ولم تسلم المهن التي كانت تُعد رمزا للأمانة والعلم من هذا الانحدار؛ فصيادلة وعلماء في شركات أدوية عملاقة مثل شركة فريزر ارتكبوا جرائم غش بحق سكان العالم بالنسبة للتطعيم ، وكانت نتائج هذه الجرائم وفاة آلاف الأبرياء، مما زعزع الثقة بالعلم وبمن يفترض أنهم حماة صحة الإنسان. كما أن علماء آخرين تورطوا في تصنيع جراثيم قاتلة تُستخدم في الحروب، محولين العلم من رسالة إنسانية سامية إلى أداة قتل ودمار.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ فقد أصبحنا نسمع عن بروفيسورية في المستشفيات يرتكبون الغش مقابل الرشوة، وعن أطباء ومحامين منخرطين في عصابات الإجرام، يستغلون علمهم ومكانتهم الاجتماعية لخدمة المال الحرام بدل خدمة الإنسان والمجتمع . بل وصل الانحراف الأخلاقي إلى حد أن يقتل الأخ أخاه من أجل مكسب مادي زائل، في مشهد يعكس انهيار القيم الإنسانية في أبشع صورها.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

إنّ كل هذا الانفلات الإجرامي ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لابتعاد البشر عن القيم الدينية والأخلاقية التي كانت تشكل الضمير الحي والبوصلة السلوكية للإنسان. ومع غياب هذه القيم، ساد قانون الغاب، وضاع الأمن والأمان، ولم يعد في هذا العالم المتكالب على المال الحرام لذة ولا سرور ولا طمأنينة.

لقد أصبح واضحا أن الجريمة اليوم عابرة للطبقات، عابرة للتعليم، وعابرة للمكانة الاجتماعية. وعليه، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية أو الاقتصادية فقط، بل تتطلب إعادة بناء المنظومة القيمية والأخلاقية للإنسان، وإحياء دور التربية الدينية والإنسانية، ومحاسبة المجرمين أيا كانت مناصبهم أو ألقابهم. فبدون ذلك، سيبقى العالم يسير نحو مزيد من الفوضى، حيث يختلط الحابل بالنابل، ويصبح الظلم هو القاعدة لا الاستثناء.

الدكتور صالح نجيدات

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio