خاطرة

مدرسة الصيام..

أمير نفار 12:02 04/02 |
حمَل تطبيق كل العرب

بين عبادة الأحرار وقانون التضحية والاستبصار،

نطق قلم ابن خلدون رحمه الله بقاعدة خلدونية تعكس رؤية ناضجة ناتجة عن غربلة نخلت تاريخ الناجحين، وبصيرة نافذة لسنن الإله في كونه الفسيح، خاصة فيما يتعلق بنهضة الشعوب وتأسيس الدول.

فجالت أفكار وأقلام الباحثين حول هذه القاعدة الخلدونية، فمنهم من عبر عنها بقاعدة العزيمة والاستبصار، ومنهم من أطلق عليها نظرية الاستماتة والاستبصار، وفي نهاية المطاف، العبرة بالمسميات لا بالأسماء، فكلهم متفق على صوابيتها وسننيتها، خلاصتها ما عبّر عنه الإمام حسن البنا رحمه الله بقوله: " وليس للأمة عدة في هذه السبيل الموحشة، إلا النفس المؤمنة، والعزيمة القوية الصادقة، والسخاء بالتضحيات، والإقدام عند الملمات، وبغير ذلك تُغلب على أمرها، ويكون الفشل حليف أبنائها".

وفي كل عام يأتي شهر رمضان المبارك ليرسخ فينا هذا المبدأ ويدربنا عليه، فعبادة الأحرار -الصيام- بوابة للاستعداد لولوج معترك النهضة والأخذ بقانون التضحية والاستبصار، وفهم مكنونات وقوى الإنسان المذخورة في داخله.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

 فالصيام كما قال أبو فهر من حيث نظرت إليه: "هو عتق النفس الإنسانية من كل رقٍّ: من رقِّ الحياة ومطالبها، ومن رقِّ الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها، من رقِّ النفس وشهواتها، ومن رقِّ العقول ونوازعها، ومن رقِّ المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل.

فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كُتب عليها فرضًا وتأتيه تطوعًا، ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض لتقيم فيها الحق، ولتقضي فيها بالحق، ولتعمل فيها بالحق، لا يرضى لها أن تذلَّ لأعظم حاجات البدن؛ لأنها أقوى منها، ولا لأعتى مطالب الحياة؛ لأنها أسمى منها، ولا لأطغى قوى الأرض؛ لأنها أعزُّ سلطانًا منها.

وأراد الله عز وجل أن يكرِّم هذه العبادات فأوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس عن ربه إذ قال: «الصوم لي» -البخاري- .

وقد دلَّنا الله سبحانه على طرف من هذا المعنى إذ جعل الصيام معادلًا لتحرير الرقبة في ثلاثة أحكام من كتابه:

إذ جعل على من قتل مؤمنًا خطأ تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ}  (آية 92، سورة النساء) .

وجعل على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا تحرير رقبة من قبل أن يتماسا {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} (آية 4، سورة المجادلة). 

وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} (آية 89،سورة المائدة).

فانظر لِمَ كتب الله تعالى على من ارتكب شيئًا من هذه الخطايا الثلاث: أن يحرر رقبة مؤمنة من رقِّ الاستعباد، فإن لم يجدها فعليه أن يعمل على تحرير نفسه من رقِّ مطالب الحياة، ورقِّ ضرورات البدن، ورقِّ شهوات النفس، فالصيام كما ترى هو عبادة الأحرار، وهو تهذيب الأحرار، وهو ثقافة الأحرار.

ولو حرص كل مسلم على أن يستوعب بالصيام معاني الحرية، وأسباب الحرية، ومقاليد الحرية، وأنف لدينه ولنفسه أن تكون حكمة صيامه متعلقة بالأحشاء والأمعاء والبطون في بذل طعام أو حرمان من طعام- لرأينا الأرض المسلمة لا يكاد يستقرُّ فيها ظلم؛ لأن للنفوس المسلمة بطشًا هو أكبر من الظلم، بطش النفوس التي لا تخشى إلا الله، ولا يملك رقَّها إلا خالق السماوات والأرض وما بينهما. 

ولرأينا الأرض المسلمة لا يستولي عليها الاستعمار؛ لأن النفوس المسلمة تستطيع أن تهجر كل لذة، وتخرج من كل سلطان، وتستطيع أن تجوع وتعرَى، وأن تتألم وتتوجع صابرة صادقة مهاجرة في سبيل الحقِّ الأعلى، وفي سبيل الحرية التي ثقفها بها صيامها، وفي سبيل إعتاق الملايين المستعبدة في الأرض بغير حق وبغير سلطان.

واستطاع كل مسلم أن يكون صرخة في الأرض تلهب القلوب، وتدعوها إلى خلع كل شرك يقود إليه الخوف من الظلم، ويفضل إليه حب الحياة وحب الترف وحب النعمة، وهي أعوان الاستعمار على الناس.

ويوم يعرف المسلمون صيامهم حق معرفته، ويوم يجعلونه مدرسة لتحرير نفوسهم من كل ضرورة وكل نقيصة، فحقٌّ على الله جل وعلا يومئذ أن ينصر هذه الفئة الصائمة عن حاجات أبدانها وشهوات نفوسها، الطالبة لما عند ربها من كرامته، التي كرَّم بها بني آدم، إذ خلقهم في الدنيا سواءً أحرارًا، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وفعل الخيرات.

فلنجعل صيامنا، فهمًا وشرحًا لما قاله ابن عطاء الله في حكمه: ( أنْتَ حُرٌّ مِمَّا أنْتَ عَنْهُ آيِسٌ، وَعَبْدٌ لِمَا أنْتَ لَهُ طَامِعٌ )، وتمهيدًا واستعدادًا، للانطلاقة الحضارية وفق السنة الإلهية، والقاعدة الخلدونية، وبعدها "سيقول التاريخ كلمته، ويُظهر المستقبل آيته، ولن تستطيع القوة أن تمحو عقيدة، أو تبدل فكرة".

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio