في مطلع ثمانينات القرن الماضي، في العام 1981 بالتحديد، تعرفت إلى الشاعر جورج نجيب خليل. والقصة تعود إلى رابطة الطلاب الجامعيين في شفاعمرو، التي تأسست في ذلك العام، وعندما عزمنا على إصدار مجلة باسم رابطتنا، توجهنا إلى الأستاذ جورج في عبلين، والذي كان يدرّس في إحدى مدارس شفاعمرو، وكان يدير مكتبة خاصة في منزله في عبلين ويقوم بتصميم وإصدار مجلات وكتب. فما كان منا إلا أن توجهنا إليه فاستقبلنا بحفاوة واحترام كما يفعل مع كل من يطرق بابه.
كنا نحضر اليه أنا وصديقي ب. زاهر عزام، خاصة أن المرحوم الأستاذ شفيق عزام (أبو زاهر)، كان نائب المدير في المدرسة التي يعمل فيها الأستاذ جورج، وكانا زميلين وصديقين. فكنا نحضر المواد له ويقوم بصف تلك المواد على الآلة الطابعة، ويصمم لنا المجلة كما يعمل على اثراء المجلة بمساهمات إضافية من أقوال وحكم وأبيات شعر في الأماكن الفارغة من المجلة، ليزيدها ثراء ومتعة. وبعدها نواصل السهر في الحديث بمواضيع مختلفة وفي مركزها الأدب والثقافة والفن. وكنا نستفيد من الجلوس معه بالمعلومات الغنية التي توفرت لديه، وكان يتمتع بأسلوب جميل وجذاب في الكلام.
أكثر ما أذكره عن الشاعر جورج تمسكه بالشعر القديم الى حد التعصب، وأذكر أني رافقته ذات ليلة في رحلة العودة من حيفا، حيث حضرت معرض الكتاب الذي كان يقام في بيت الكرمة، وكنت أدرس في الجامعة، وهو ربما شارك في ندوة، وعدنا معا في الباص المشترك لبلدتينا حتى محطة الناعمة، ونحن نتحدث ونتناقش في مسألة الشعر الكلاسيكي والحديث وخاصة شعر التفعيلة.
وفي تلك المرحلة دعاني لأن أكتب في مجلة "مشاوير"، التي كانت تصدر باسم رابطة الكتاب العرب، وكان الأستاذ جورج بقوم بمهمة تحريرها، وفعلا أذكر أنه نشر لي قصيدة، وعادة ما يبدأ الشباب مع الشعر، مع أنها ليست عمودية، مما يدل على أن شاعرنا لم يكن متعصبا ويقبل بشعر التفعيلة لكنه يرفض الشعر المنثور.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وبعد سنوات أجريت مع الشاعر جورج نجيب خليل، لقاء صحفيا نشر في صحيفة "كل العرب" في 24/4/1992، وأعيد نشر اللقاء في الكتاب الخاص الذي صدر في الذكرى الأربعين لرحيل شاعرنا عام 2001. وفيه تطرقت الى المواضيع والقضايا الأدبية التي أشغلتنا، وسجلت رأيه الثاقب والصادق في تلك المواضيع.
تعرض شاعرنا لهجوم من ناحية وإهمال وتجاهل مقصودين من ناحية أخرى، وهذا ما ولّد في نفسه مرارة لم تهدأ مع مرور الأعوام، وقد أفصح عن ذلك في اللقاء الصحفي المذكور، حيث قال: " التعتيم كان وما زال ولا أعتقد أنه سيزول، فالأسباب لا زالت موجودة وهي نابعة من عدم انتمائي لأي فئة سياسية في البلاد...".
في اللقاء تطرقنا كذلك الى ما يجري على الساحة الأدبية المحلية وخاصة الانقسامات في تنظيمات الكتاب والشعراء، وكأن اليوم لا يختلف عن الأمس فتحدث عن عدم التوصل الى وفاق واتحاد واحد للكتاب وكأنه يتحدث عن أيامنا هذه، ولخص أسباب الخلاف والانقسام بعبارة واحدة: أعتقد أن معظم المشاكل نبعت جراء البحث والصراع على المراكز والمناصب". وقدم اقتراحا عمليا للخروج من هذه الورطة لم تم العمل باقتراحه لوفرت التنظيمات الأدبية الكثير من اهدار الطاقات والوقت وحولته الى ما يعود بالمنفعة على الحركة الأدبية ومجتمعنا عامة.
وكنت قد افتتحت اللقاء بالكلمات التالية: "الشاعر جورج نجيب خليل غني عن التعريف، فهو من الأصوات الشعرية في أدبنا المحلي وأول من تجرأ على اصدار ديوان شعر بعد عام 1948، يؤمن بالشعر الكلاسيكي ولا يخرج عنه، جم النشاط لا يهدأ ولا يرتاح، دائم العطاء، يكثر من القراءة والكتابة، لا يتأخر عن تلبية أي طلب يرى فيه منفعة للأدب والناس".
وأختم مع بيتين من شعر شاعرنا من قصيدته "أنا مشرّد" من ديوانه "دموع لا تجف":
مشرّد أنا منبوذ بأوطاني أقضي الليالي في همّ وأشجاني
قد جرّدوني من التجوال في بلدي فرحتُ ألعقُ أوصابي وأحزاني
فليبق ذكر شاعرنا خالدا.
* كلمتي التي ألقيتها في الاحتفال بمناسبة مرور 25 على رحيل الشاعر جورج نجيب خليل، في قاعة كلية مار الياس في قرية عبلين، يوم الاثنين 26/1/2026
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio