مقالات

لا رحنا ولا جينا!

سليم سلامة 10:44 14/01 |
حمَل تطبيق كل العرب

هذا المقال (الطويل نسبيًا) هو من قبل 6 سنوات!

شريط غانتس الدعائي أمس الذي يريد به الانضمام/ الزحف إلى حكومة نتنياهو، عبر التحريض السافل على العرب وأحزابهم السياسية، لا يقول لنا- وينبغي ألا يقول لنا- سوى شيء واحد فقط: إذا بقيت "السياسة العربية" وأحزابها الفاعلة وقياداتها (ومخاتيرها في "لجنة الوفاق" وغيرها) وكذلك أكاديميوها ومثقفوها- إذا ظلوا جميعًا عاجزين عن إبداع رؤى وطروحات (وشعارات) سياسية تعكس قراءة صحيحة للواقع السياسي الإسرائيلي وخارطته الحزبية، بما يلبي احتياجات مجتمعنا وينسجم مع طموحاته (كجزء من طموحات شعبنا)، فسيبقى مضمون هذا المقال صحيحًا ونافذًا بعد 6 سنوات أخرى وأخرى وأخرى...

قطع غانتس  قول كل المخوِّفين والمضلِّلين! 

في تصريحه ضمن المقابلة التي أجرتها معه القناة الأولى (كان 11) في التلفزيون الإسرائيلي، مساء أمس الثلاثاء، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، رئيس حزب "مناعة لإسرائيل" ورئيس تحالف "أزرق أبيض"، بيني غانتس، بصريح العبارة: "لن أتعاون مع الأحزاب العربية... القيادة السياسية لعرب إسرائيل ارتكبت خطأ كبيراً. إنها تتحدث ضد دولة إسرائيل، ولذا فلا يمكنني إجراء حوار سياسي معها"!

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

بهذا التصريح، الذي يشكل تحريضاً سافراً أرعن على الجماهير العربية وأحزابها السياسية (لا يقل خطورة عن تحريض "اليمين" ونتنياهو، إن لم يزِد لأنه يأتي من "زعيم معسكر السلام الإسرائيلي"!!)، يكون غانتس عمليا قد بصق في وجوه جميع السياسيين والناشطين والمثقفين العرب الذين يصرخون ليل نهار بأنهم يريدون "إسقاط نتنياهو واليمين"!  

كنت قد دعوت، مراراً عديدة، منذ سنوات وحتى الأسابيع الأخيرة، إلى محاولة الاجتهاد واجتراح شعار سياسي آخر تعوّض به القوائم الانتخابية العربية خواء "سلة إنجازاتها البرلمانية" الذي يضطرها إلى الاحتماء الواهم بشعار "إسقاط اليمين ونتنياهو". 

لكن، يبدو أن لا أحد يقرأ. وإن قرأ، فالإلغاء والتجاهل هو أسهل وأقصر طرقه للهروب من مواجهة الواقع وحقائقه الموضوعية وللتهرب من استحقاق مخاطبة الناس بطروحات وحجج من خارج ترسانة التخويف والتضليل. 

وفي هذه المناسبة، أنشر هنا هذا المقال الذي كُتب مؤخراً ولم يُنشر (في البلاد) حتى الآن، لأسباب مختلفة (رابط للمقال على موقع "الحوار المتمدن" ـ في التعقيبات). 

شعار "إسقاط اليمين" ـ التشويه والتضليل! 

سليم سلامة

أعطونا حزباً واحداً من الأحزاب العربية المتعاركة على "كعكة الكنيست"، كل منها على حدة أو مؤتلفة "مشتركة"، أو أياً من أعضائها القياديين، أو حتى من "المثقفين" والأكاديميين السائرين في هذا الركب، لا يرفع سيف التخويف من "اليمين" في وجه جماهيرنا، سواء لإقناعها بضرورة "وحدة" هذه الأحزاب (التي تحولت من أحزاب سياسية، مهمتها العمل الميداني بين الناس، توعيتهم، قيادتهم، تثويرهم وقيادة نضالاتهم، كوكلاء تغيير مجتمعي، إلى "قوائم انتخابية")، ثم الآن ـ بعد فشل/ إفشال "الوحدة" ـ لإقناع الناس بـ"ضرورة" المشاركة في الانتخابات والتهافت على صناديق الاقتراع. أعطونا أياً من هؤلاء جميعاً لا يستخدم حجة "صدّ/ إسقاط/ دحر اليمين" التي أصبحت، في منطق "الضدّ" (العمل ضد أمر ما) لا في منطق الـ "من أجل" (العمل من أجل تحقيق رؤى وتنفيذ خطط وبرامج مبلورة)، الحجة "الأقوى" والأكثر شيوعاً، بل ربما الوحيدة بعدما تهاوت الحجج الأخرى، التي أصبحت باهتة تفتقر إلى ما يسندها، عن أهمية "النضال البرلماني" وعمّا تحقق عَبره من "إنجازات"، أو قد يتحقق، وبعدما "احترقت" ورقة "الوحدة" التي (كان) يمكن استغلالها لتجنيد الناس ودفعهم، عقلانيا أو عاطفيا، إلى التوافد على صناديق الاقتراع. 

أكثر ما يثير الغضب والألم، معاً، في هذا الشعار/ الحجة (عن "إسقاط اليمين") هو أنه غدا يتردد بصورة ميكانيكية، فورية، على نحو يصوّره كأنه منتهى غاية العمل السياسي العربي في هذه البلاد، بعد سبعين عاماً من التجربة، دون الأخذ بدروس هذه التجربة، مفاعيلها وإسقاطاتها، ودون التعمق في معاني هذا الشعار وما يمكن أن يستبطنه من دلالات، إيحاءات وتلميحات، سياسية كلها تصب في المحصلة النهائية في ما يعود بأضرار جسيمة تتمثل في تشويه الوعي السياسي، الفردي والعام، وفي الدفع نحو مسلكيات تتناقض جوهرياً مع حاجات الناس ومصالحهم الحقيقية، وهو الأخطر، بفعل الأوهام التي تُنشر بين الناس عن أن خلاصها مما هي فيه من أزمات وآفات مرهون بـ "تخصلها من (هذا) اليمين"! متناسين أن "معسكر السلام" الموهوم (أي: ما هو خارج "معسكر اليمين") هو الذي خلق أزماتنا، كرّسها، فاقمها، وأرسى الأسس لتعميقها وتخليدها عقوداً طويلة، بسياساته وممارساته. 

من العسير الإحاطة بكل ما يتدفق في طوفان "التخويف من اليمين" الذي يُحدثه الخطاب السياسي الراهن في الوعي السياسي لدى العرب في هذه البلاد، وقد أصبح سائد السائد الذي يرى في أي اعتراض عليه، أو تحذير منه، "خروجاً عن الصف" وعن "وحدة الرأي العام" بشأنه. 

نماذج وشواهد معبّرة 

ومع ذلك، لا مناص من بعض النماذج المعبرة، بوضوح، عن هذا الوضع وعن هذه الفكرة: 

1. في مدونة على صفحته الفيسبوكية، كتب المدير المشارك في "صندوق مبادرات أبراهام"، ثابت أبو راس (22/2، فور الانتهاء من تقديم قوائم المرشحين): "نحو أعلى نسبة تصويت بين المواطنين العرب، إسقاط حكومة اليمين العنصري الفاشي واجب وطني. وهناك فرصة لذلك"! 

2. في مدونة على صفحته الفيسبوكية (7/2)، كتب المدير المشارك في "جبعات حفيفا"، محمد دراوشة، إن "مثل هذه الزمرة (قائمة مرشحي الليكود) تستحق المواجهة وتفرض علينا تكثيف القدرات الذاتية كعرب من خلال رفع نصبة التصويت لتصل ذروتها الممكنة، ومحاولة منعهم من تشكيل ائتلاف يميني"!

3. في خبر نشرته مواقع عربية محلية (20/2) عن "مؤتمر تحالف التجمع والإسلامية"، وردت الجملة التالية: "ووجه التحالف نداء للجبهة وحركة طيبي للتحلي بالمسؤولية، والاستجابة لنداء الساعات الأخيرة، مؤكدا أن القائمة المشتركة متاحة وواجبنا جميعا ألا نسمح بالتشرذم والانقسام لأن ذلك سيخدم نتنياهو واليمين"! 

4. في مدونة نشرها على صفحته الفيسبوكية (21/2)، كتب عضو "لجنة الوفاق"، ماجد صعابنة: "إنني أناشد بنداء أخير لجميع الأحزاب التوحد وأن نضع أمامنا هدف واحد للعمل لإسقاط اليمين"!

5. في خبر موقع "عرب 48" (20/2) عن فشل الاجتماع الرباعي (الأخير) الذي كان مقررا عقده بمبادرة رئيس "لحنة المتابعة"، محمد بركة، ورئيس "اللجنة القطرية للرؤساء"، مضر يونس، ورد الاقتباس التالي عن "مصادر سياسية مطلعة": "تصرفات طيبي صبيانية، هدفها تخريب جهود لم شمل المشتركة وهو ما يخدم مساعي نتنياهو لاستمرار حكومة اليمين"!

6. في مقال نشره أسعد غانم بعنوان "قبل فوات الاوان – الخروج من المأزق واضح وممكن" (موقع "العرب" ـ 20/2)، وردت الجملة التالية: "تعالوا نتصور وضعاً تفشل به قائمة او اثنتين من تجاوز نسبة الحسم، سوف يضرب هذا كل هذه الفعاليات وقياداتها التي نحتاجها ونريد طبعا ان تطور ادائها، وسوف تعطي اليمين ثلاثة او اربعة مقاعد اضافية على الاقل، ليتمكن اكثر من مطاردة شعبنا في الضفة وغزة واللجوء، ليتنكر اكثر لأية تسوية سياسية منصفة، ليتمكن من المصادرة والتهويد وهدم البيوت في النقب وقلنسوة وطنطور وغيرها، ليمارس التمييز العنصري اكثر، وليسنّ قوانين اسوأ ولينتهك مقدساتنا اكثر" (الأخطاء اللغوية في الأصل). 

7. في "حوار مباشر" معه، نشر نصه على موقع "عرب 48" (13/2)، قال ابراهيم حجازي، رئيس المكتب السياسي في الحركة الإسلامية" (الجنوبية): "إنّنا مقبلون على مرحلة حسّاسة ودقيقة وأعتقد أنها ستكون حاسمة وفارقة في تاريخ الداخل الفلسطينيّ، فإما أن يستمرّ اليمين الفاشي في حكمه وغيّه وطغيانه وعربدته، وإمّا أن نستطيع من خلال كوننا جزءًا أساسيًا في صناعة القرار وأن ندحر اليمين، لربما تكون هنالك فرصة نحيا من خلالها في ظروف مختلفة عمّا هو الآن"!

8. في مدونة نشرها على صفحته الفيسبوكية (5/2/2019) عن لقاء صحفي معه في "وكالة معاً" الفلسطينية، كتب عصام مخول، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي: "الانتخابات القريبة للكنيست الاسرائيلي تحمل في أحشائها فرصة حقيقية للتخلص من حكم نتنياهو وفكره الرفض العدواني والاستيطاني العنصري بقيادته، الجاثم على سدة الحكم في اسرائيل وعلى صدر الشعب الفلسطيني منذ سنوات طويلة". 

9. في خبر نشره موقع "عرب 48" (7/2/2019) عن "اجتماع تشاوري في كفر قرع"، جاء: "أجمع كلٌ من لجنة الوفاق الوطني ورئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، محمد بركة، ورئيس اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية، مضر يونس، على أن تفكيك القائمة المشتركة في هذا التوقيت بالذات، يخدم اليمين الإسرائيلي ومساعيه إلى تهميش ونزع الشرعية عن الجماهير العربية في هذه البلاد". 

10. في مقال مشترك نشره محمد خلايلة وأمير فاخوري (موقع "العرب" ـ 9/1/2019)، جاء: "ينطلق المقال من مقولة مفادها أن رفع نسبة التصويت لدى المواطنين العرب الفلسطينيين والتصويت للقائمة المشتركة من شأنه أن يزيد من التمثيل العربي في البرلمان وبالتالي إعاقة تشكيل حكومة يمينية على نحو ما كان في العقد الأخير، وبالتحديد منذ عودة بنيامين نتنياهو وتسلمه مقاليد الحكم من جديد في العام 2009"!

عن صحة التشخيص ومصداقيته

هذه قطرات متفرقة فقط (لكنها ممثلة ومعبرة) ـ لم نشمل بينها شيئاً من الكثير الكثير الذي صدر عن الأحزاب السياسية العربية، قادتها وممثليها في الكنيست ـ من طوفان جارف يعتمد لغة سياسية واحدة موحدة، بتعريفاتها ومفاهيمها، تقوم على أن "اليمين" في إسرائيل هو بنيامين نتنياهو وليكوده وكل مَن يقف على يمينهما. وما عدا ذلك، مما تعج به الخارطة السياسية ـ الحزبية في إسرائيل، هو "مش يمين"، في الأقل! مع ضرورة الانتباه إلى أن هذا التقسيم بين "يمين" و"وسط" و"يسار" في إسرائيل هو ليس إلا نتاج تنقلات وتحالفات مصلحيّة، إنتهازية، حزبية وشخصية، لا يقوم على فوارق فكرية ـ سياسية جوهرية ولا يجسدها. ومع ضرورة التذكير، أيضاً، بحقيقة أن اليمين الإسرائيلي هو الذي ابتدع تهمة "اليسار" هذه أصلاً وأطلقها على هذا "المعسكر"، وخاصة حزب "العمل" وأحزاب "الوسط"، لاعتبارات انتخابية خالصة، بينما لا يألو قادة هذا المعسكر جهداً ولا يفوتون فرصة لإنكار هذه التهمة، نفيها والتنصل منها وبينما نصر نحن على إلصاقها به ومطاردته بها!

فهل هذا تشخيص صحيح؟ وهل ثمة ما يثبت صدقه ومصداقيته في الواقع السياسي الإسرائيلي؟ 

ينبغي القول، بداية، أن الشعار ("إسقاط اليمين/ إسقاط نتنياهو") بصيغته الشائعة المتكررة ـ كما لازمنا منذ سنوات عديدة خلت حتى أصبح "أيقونة" سياسية تكاد تكون الأكثر مركزية ـ يُفقد هذه الأحزابَ والحركات، وكتلها البرلمانية تالياً، وزنَها السياسي النوعي وقدرتها المحتملة على المناورة السياسية، إذ يجعلها احتياطيا أوتوماتيكيا وغير مشروط لمعسكر "الوسط ـ اليسار" الإسرائيلي، الذي يفهم الرسالة ويُحسن استغلالها، أيما استغلال: ما دام هدفكم الأول والأكبر هو "دحر اليمين"، فمعنى هذا أن لا عنوان آخر ولا بديل في واقع الخارطة السياسية الإسرائيلية سوى دعم هذا "المعسكر" والاصطفاف خلفَه، لا إلى جانبه حتى!

ومن جهة أخرى، يبثّ هذا الشعار لجمهور هذه الأحزاب والحركات وأصحاب القضية، عموم الناس في الوسط العربي، رسالة سياسية خطيرة تشوّه المعاني والدلالات، مفادها في العمق: ما دام هدفنا هو "دحر اليمين"، فمعنى هذا أن بديلنا المعلَن والمفضَّل، الوحيد، هو هذا "المعسكر"، الذي يمثله ويقوده اليوم بيني غانتس (وتحالفه مع "يش عتيد" يئير لبيد و"تلم" موشي يعلون، وهي القائمة التي تضم ثلاثة رؤساء سابقين لهيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي: غانتس ويعلون وغابي أشكنازي، بكل ما تنوء به أكتافهم من جرائم حرب مباشرة!). وهي رسالة تقول، في الباطني المستتر، أن هذا المعسكر هو قائدنا وهو عنواننا، مما يعني ـ من حيث لا يدري أصحاب الشعار ولا يقصدون ـ أن بإمكان المواطنين العرب، جمهور هذه الأحزاب، ظهرها الجماهيري ومخزون قوتها السياسية، التوجه للتصويت إلى أحزاب هذا المعسكر مباشرة! فإنّ مَن سُيسقط اليمين ويحل محله، تطبيقاً لشعار "دحر اليمين"، هو ليس أعضاء الكنيست العرب (حتى لو بلغ عددهم 20 عضواً) وإنما هذا المعسكر وأحزابه وشخوص قادته. وما دام الأمر كذلك ـ كما تقول لنا هذه الأحزاب وقياداتها وقوائم مرشحيها ـ  فلمَ لا نذهب إلى "رأس النبع" مباشرة؟

ماذا بعد؟

تحدثنا عن صحة التشخيص المذكور ومصداقيته، دون أن نقصد بالطبع أي تشكيك بصدق وصدقية أصحابه، مردديه ومتبنّيه، على مستوى الأشخاص الأفراد. قد يكون كثيرون من هؤلاء مقتنعين حقاً ومؤمنين تماماً بما يقولون ويرددون. ولأن عملنا السياسي ـ الحزبي لا يجري في فراغ، بل تحت وابل من التأثيرات "الخارجية"، سواء المحلية (الإسرائيلية) منها، أو "الوطنية" (الفلسطينية) أو الإقليمية (العربية والإسلامية) أو الدولية، فهو عرضة لمكابس الضغوط والتدخلات المختلفة المصالح، التي كثيراً ما تلتقي وتتقاطع مع مصالح عينية لدى هذه الأحزاب، قادتها وممثليها، إنْ على المستوى الحزبي أو على المستوى الشخصي. 

غبر أن الأساس هنا يبقى: هل ندعو جماهيرنا إلى المشاركة في التصويت وإلقاء كل وزنها السياسي من أجل "إسقاط اليمين"، ما يعني استبداله بيمين آخر لم يثبت، لا في الماضي ولا في الأيام الأخيرة تحديداً، أي اختلاف جوهري عن ذاك "اليمين"، وخصوصا في القضايا المركزية المفصلية وفي مقدمتها: مكانة المواطنين العرب وحقوقهم، وزن مواطَنتهم واستحقاقاتها، على كل الأصعدة وفي مختلف السياقات (راجعوا المواقف من "قانون القومية"، مثلاً)؛ الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، الاستيطان وإنهاء الاحتلال والاعتراف الواضح والصريح بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. 

لا تجنٍّ على أحد في القول إن الحديث عن "يمين" و"حكومة يمين" ومحاولة التمييز و/أو المفاضلة بين هذا "اليمين" والآخرين في راهن الخارطة السياسية الإسرائيلية هو محض ضلال سياسي، أو تضليل (متعمَّد)! ويتعين على من يرفع شعار "إسقاط اليمين" التحلي بالشجاعة والاستقامة اللازمتين ليقول، بكل وضوح، إن بديله هو معسكر آخر يقوده ثلاثة من مجرمي الحرب خلال السنوات الأخيرة- رؤساء الأركان الثلاثة الأخيرون لجيش الاحتلال!

وأما مَن يراهن على "الفانوس السحري" المسمى "كتلة مانعة" (جسم مانع)، من خلال التذكير بتجربة حكومة يتسحاق رابين في أوائل التسعينات، فهو مدعو ـ من باب الالتزام بالحقائق أولاً ـ إلى الانتباه (والتنبيه) إلى أن لا خلاف جوهرياً، إطلاقاً، بين مشروع نتنياهو السياسي الأيديولوجي ومشروع غانتس ـ لبيد ـ يعلون ـ أشكنازي، السياسي والإيديولوجي. هذا من جهة. ومن الثانية، هو مدعو إلى إعادة قراءة الواقع السياسي الإسرائيلي، الإقليمي والدولي، الذي اضطر رابين وبيرس (بتدخل من موشي شاحل) إلى القبول باعتماد "الجسم المانع" آنذاك. وهي تجربة لا شيء، على الإطلاق، من ظروف حصولها يشبه الظروف الراهنة، ناهيك عما يمكن أن يكون الثمن السياسي لمثل هذا الخيار في الواقع الراهن.  

تقودنا محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، وبالبناء على تجربة ما يزيد عن سبعين عاماً من المشاركة في الكنيست وانتخاباتها ومن "النضال البرلماني"، إلى الخلاصة المركزية التي عبر عنها بروفيسور إيلان بابه في تساؤل "بسيط" طرحه (في ندوة عقدت في وادي النسناس في حيفا، يوم 3/1/2013، بمبادرة من "حيفا الغد")، حين قال: "لماذا ما زالت الأحزاب العربية تشارك في انتخابات الكنيست رغم انعدام قدرتها على التأثير الحقيقي عَبْرَ الكنيست، وعلى الرغم من الفائدة التي تجنيها إسرائيل من هذه المشاركة؟"!

كنا قد تناولنا، في مقالات عديدة سابقة، "محصلات موازين الربح والخسارة" التي تثبت فداحة الضرر، على المدى البعيد، الناجم عن المشاركة في الكنيست وانتخاباتها، لقضايا المواطنين العرب في إسرائيل والشعب الفلسطيني عامة. كما تحدثنا عن "الفائدة التي تجنيها إسرائيل من هذه المشاركة" ـ بتعبير بابه ـ وهي التي أكدها كثيرون جداً من السياسيين والباحثين الإسرائيليين في كثير من التصريحات والأبحاث المنشورة (أي "غير السريّة"). ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، فقط، تحذير الوزير السابق من حزب "العمل"، أوفير بينيس (موقع "واي نت" ـ 22/1/2013) من أن "انخفاض نسبة التصويت في الوسط العربي هو أمر خطير جدا بالنسبة لإسرائيل ويجب أن يشعل أمامنا جميعا ضوءاً أحمر فاقعاً"، كما تأكيد الوزير السابق من حزب "الليكود"، موشي آرنس (صحيفة "هآرتس" ـ 12/7/2016): "بعد أن يهدأ غضبنا (على تصريحات "مستفزة" صدرت عن حنين زعبي ـ س. س.)، ينبغي علينا أن نفهم أن أعضاء الكنيست العرب هم كنز لإسرائيل. فانفجاراتهم في الكنيست تشكل دليلاً قاطعاً على أن إسرائيل هي دولة ديمقراطية حقيقية... اتهاماتهم بأن إسرائيل دولة أبرتهايد تنحدر نحو الفاشية تتحطم (اتهاماتهم) على صخرة وجودهم في الكنيست، بما يثبت أن في إسرائيل حرية تعبير يمكن أن تكون قدورة ومثالا يحتذى لدى دول ديمقراطية أخرى عديدة، بل من المشكوك فيه إن كانت ثمة دولة ديمقراطية أخرى يمكن فيها تخيّل مثل هذا الهجوم عليها، من خلال برلمانها. هذا ممكن في إسرائيل فقط"! ويضيف: "ثمة من يريد طرد النواب العرب من الكنيست وآخرون يقترحون الخروج الجماعي عندما يتحدثون وأنا أقول: إنهم يُسدون خدمة جليلة لدولة إسرائيل"!   

سيجنّد المعنيون (من المعنيين!) وسيصرفون، بلا شك، أموالاً طائلة لـتنظيم حملات تبتغي "حثّ" الناس على التصويت، وربما "إقناعهم" أيضاً، كما حصل في الانتخابات السابقة والتي سبقتها والتي سبقتها. ولكن، متى سندرك، بعد هذا، أننا، بلغتنا ومسلكياتنا السياسية هذه، إنما نتمثّل قولة محمود درويش (وهو يرثي إميل حبيبي ـ الناصرة، 2/5/1996) فندفع نحو "انتصار الإطار (الذي) هو هزيمة المعنى" ونكرّسه؟ نحتاج إلى القدرة على الغوص في خبايا السيرورات السياسية والاجتماعية، سبر أغوارها وكشف العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الظواهر، لمحاولة استنباط خلاصات تقدم تشخيصاً مصداقاً للواقع السياسي، كما هو على حقيقته، واستشراف ما قد تؤول إليه هذه السيرورات وما قد يتمخض عنها، ثم اجتراح الحلول التي تعيد إلى الأحزاب دورها المركزي والحيوي ـ وكلاء تغيير مجتمعي، حقيقي! 

معركة "التخلص من اليمين"، في الحقيقة، هي معركة معسكر "الوسط ـ اليسار" الإسرائيلي (الصهيوني). وهي معركة على "صورة إسرائيل" ومستقبل "المشروع الصهيوني". فهل هذه هي معركتنا نحن، حقاً؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio