خاطرة

حين تتحوّل الزوايا إلى جسور

غزال أبو ريا 20:00 11/01 |
حمَل تطبيق كل العرب

حين تتحوّل الزوايا إلى جسور

من الصراع إلى الوساطة

ليست الزوايا التي ننظر منها إلى الواقع مجرّد اختلاف في الرأي، بل هي تعبير عن تجارب إنسانية متنوّعة، ومواقع نفسية واجتماعية متباينة. غير أنّ هذه الزوايا، حين تُفهم على أنّها حقائق متصارعة، تتحوّل إلى حواجز تفصل بين الناس، وتُنتج صراعات تُنهك الأفراد والمجتمعات. أمّا حين نُحسن الإصغاء، ونمنح أنفسنا مسافة للتأمّل، فإن الزوايا ذاتها قد تتحوّل إلى جسور للفهم، ومساحات للّقاء، ومدخلًا للوساطة بوصفها نهجًا إنسانيًا لإدارة الخلاف وبناء السلام.

حين ننظر إلى الشيء نفسه من زوايا مختلفة، تتكشّف أمامنا حقائق متعدّدة، وقد نفهم أبعادًا لم تكن ظاهرة لنا من قبل. فالرؤية ليست حقيقة مطلقة، بل هي في كثير من الأحيان انعكاس لموقعنا، وتجربتنا، ومصالحنا، وحتى لحظتنا النفسية. وكما قد يعجز المتسلّق عن رؤية الجبل كاملًا لانشغاله بخطواته، كذلك قد يعجز الإنسان أو الجماعة عن إدراك الصورة الشاملة وهم غارقون في صراعهم.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

التعدّدية: ثراء لا تهديد

هذا ما تناولته في كتابي «الوساطة في المدرسة والمجتمع: دليل تطبيقي»، حيث أكّدت أن التعدّدية في الفكر، والثقافة، والرأي ليست ضعفًا ولا مصدرًا للفوضى، بل هي عنصر غنى وقوة لأي مجتمع حيّ. فاختلاف الآراء لا يعني بالضرورة تناقضها، بل قد يكون تكاملًا إذا ما أُحسن التعامل معه. غير أنّ الإشكالية تبدأ عندما يعتقد فرد أو مجموعة أن زاويتهم في الرؤية هي الوحيدة الصحيحة، فيتم فرضها على الآخرين باعتبارها الحقيقة المطلقة.

فرض الرؤية الواحدة: بذرة الصراع

كثير من الصراعات، سواء كانت أسرية، مجتمعية، سياسية، أو حتى دولية، تنشأ من إصرار طرف ما على احتكار الحقيقة ورفض الاعتراف بشرعية رؤية الآخر. فعندما تُفرض زاوية واحدة للنظر، يُقصى الآخرون، وتُهمَّش تجاربهم، ويُختزل الواقع في تفسير واحد ضيّق. ومع مرور الوقت، يتحوّل الخلاف الطبيعي إلى صراع حاد، ويتحوّل الحوار إلى مواجهة.

الصراع نتيجة فقدان المسافة

في خضمّ الصراع، يصبح كل طرف «داخل الجبل» الذي يتسلّقه؛ يرى الانحدار أمامه ولا يرى الأفق. فالانفعالات، والخوف، والإحساس بالظلم، والرغبة في الانتصار، كلها عوامل تحجب القدرة على رؤية الصورة الكاملة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ إن غياب المسافة الفكرية والوجدانية يمنع الأطراف من فهم دوافع بعضهم بعضًا.

الوساطة: إعادة النظر من زوايا متعدّدة

من هنا تبرز الوساطة كمسار إنساني وحضاري لإدارة النزاعات. فالوسيط لا يفرض رؤية، ولا ينحاز إلى زاوية واحدة، بل يساعد الأطراف على التراجع خطوة إلى الوراء، والنظر إلى النزاع من زوايا مختلفة. الوساطة تخلق مساحة آمنة للحوار، تُسمَع فيها جميع الأصوات، وتُحترم فيها التعدّدية، ويُعاد فيها تعريف المشكلة بعيدًا عن الاتهام والتخوين.

من الحقيقة الواحدة إلى الفهم المشترك

الوساطة لا تسعى إلى إثبات من هو على حق، بل إلى تمكين الأطراف من فهم بعضهم بعضًا. فهي تنقل النزاع من منطق «إمّا أنا أو أنت» إلى منطق «نحن معًا نبحث عن حل». وعندما يدرك كل طرف أن رؤيته جزء من الحقيقة وليست كلّها، يصبح الحل ممكنًا، وتتحوّل التعدّدية من سبب للصراع إلى جسر للتفاهم.

خاتمة

إن المجتمعات التي تعترف بتعدّد زوايا الرؤية، وتُدير خلافاتها بالحوار والوساطة، هي مجتمعات أكثر استقرارًا وإنسانية. فالحقيقة الكاملة لا تُرى من زاوية واحدة، والسلام لا يُبنى بفرض الرأي، بل بالاستماع، والفهم، والقدرة على رؤية «الجبل» من بعيد، بكل ما يحمله من تعقيد وجمال.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio