مقالات

بين سيدني والنقب: لجنة التحقيق كاختبار للسيادة 

خالد خليفة  11:22 10/01 |
حمَل تطبيق كل العرب

بين سيدني والنقب: لجنة التحقيق كاختبار للسيادة 

خالد خليفة 

لم يكن قرار رئيس وزراء أستراليا أنطوني ألبانيزي بإقامة لجنة تحقيق رسمية في الهجوم الذي استهدف أفرادًا من الجالية اليهودية خلال احتفالات عيد الحانوكا في مدينة سيدني قرارًا مفاجئًا أو عابرًا. بل جاء هذا القرار في سياق سياسي وأخلاقي واضح، يؤكد أن مسؤولية الدولة الأولى هي حماية مواطنيها، ومساءلة نفسها قبل مساءلة الآخرين. فالهجوم الذي أسفر عن مقتل عدد من المواطنين، بينهم يهود أستراليون، هزّ الرأي العام، وفرض على الحكومة الأسترالية أن تقدّم إجابات شفافة حول التقصير الأمني، وأن تفحص جذور العنف وأسبابه، مهما كانت النتائج السياسية محرجة.

ان هذا السلوك السياسي يعكس فهمًا عميقًا لمعنى السيادة: فالسيادة لا تُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها كافة، وعلى محاسبة أجهزتها عندما تفشل. ألبانيزي لم يتعامل مع الحدث كواقعة معزولة، بل كاختبار لقيم الدولة ومؤسساتها، ولذلك بادر إلى اقامة لجنة تحقيق رسمية، رغم الانتقادات والضغوط، ورغم أن ما حدث “قد يقع في أي دولة”.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

في المقابل، تبرز المقارنة الصارخة مع ما يجري في إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث قُتل أكثر من 900 مواطن عربي في جرائم قتل متفشية داخل المجتمع العربي في اسرائيل. ان هذه الأرقام غير المسبوقة لم تدفع الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، إلى إقامة لجنة تحقيق رسمية شاملة تفحص تقصير الشرطة، وسياسات وزارة الأمن القومي، ومسؤولية الحكومة ككل. بل على العكس، يجرى التعامل مع هذه الجرائم وكأنها شأن هامشي أو “مشكلة داخلية” للمجتمع العربي، لا تمس جوهر السيادة ولا تهدد استقرار الدولة.

والمفارقة أكثر حدّة إذا ما استُحضر أن إسرائيل أقامت لجان تحقيق رسمية في حوادث أخرى، مثل الكوارث التي أودت بحياة عشرات المواطنين اليهود المتدينين أثناء أداء شعائرهم دينية لجنة التحقيق في احداث جبل ميرون (الجرمق). حينها، اعتبرت الحكومة أن فقدان الأرواح اليهودية وليس العربية يستوجب المحاسبة والتقصي. فلماذا يُستثنى المجتمع العربي من هذا المبدأ؟ ولماذا لا يُنظر إلى مئات الضحايا العرب كقضية جوهرية واساسية في هذه الحكومة والدولة، وليس كأرقام عابرة في نشرات الأخبار؟

هنا تبرز مسؤولية وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يتبنى خطابًا تصعيديًا تجاه المواطنين العرب، وخصوصًا البدو في النقب، ويعتبر فيها الحوكمة “السيادة” على أنها قبضة أمنية وانتقائية، لا حكم قانون ومساواة. لكن السؤال الجوهري ليس فقط ما إذا كان بن غفير يتصرف بشكل فردي، بل ما إذا كانت سياساته تحظى بدعم كامل من الحكومة ورئيسها. الواقع يشير إلى أن نتنياهو لا يضع حدودًا واضحة لهذا الأداء، بل يوفّر له غطاءً سياسيًا، سواء بالصمت أو بالدعم الضمني، ما يجعل الأمر سياسة حكومية لا اجتهادًا شخصيًا وأكبر دليل على ذلك كانت زيارته الى النقب بصحبة بن غفير ووزير الدفاع ليعطوا الشرعية واولويات السياسة الاسرائيلية بكل ما يتعلق اتجاه المواطنين العرب بالجنوب.

والأهم من ذلك، أن المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية كانت قد توجهت إلى نتنياهو مطالبة بفحص استمرار بن غفير في منصبه، على خلفية ممارساته وتصريحاته التي تمس بسيادة القانون. ومع ذلك، لم يبادر رئيس الوزراء إلى أي خطوة جدية. ان هذا التردد يطرح تساؤلات عميقة حول توازن المصالح داخل الائتلاف الحاكم، وحول ما إذا كانت الاعتبارات السياسية الضيقة تتقدم على سلامة المواطنين وسيادة الدولة.

إن مقارنة موقف ألبانيزي بموقف نتنياهو تكشف جوهر الأزمة: ففي أستراليا، ان لجنة التحقيق هي أداة لتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها؛ اما في إسرائيل، فان غياب لجنة التحقيق في ملف القتل والجريمة في المجتمع العربي يعمّق الشعور بفقدان السيادة وانعدام المساواة. من هنا، تقع مسؤولية كبرى على عاتق لجنة المتابعة العليا، والنواب العرب، والسلطات المحلية، للمطالبة بلجنة تحقيق رسمية وشاملة. وإذا استمر التجاهل، فإن التوجه إلى المحافل الدولية يصبح ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل تعبيرًا عن فشل داخلي في حماية الحق الأساسي في الحياة.

السيادة الحقيقية لا تُجزّأ، والعدالة لا تُمنح لفئة وتُحجب عن أخرى. هذا هو الدرس الذي قدمه رئيس وزراء أستراليا، وهو الدرس الذي ما زالت الحكومة الإسرائيلية ترفض تعلمه.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio