تُستخدم عبارة الخطوط الحمراء للدلالة على حدود قصوى لا يُسمح بتجاوزها في السياسة أو القانون أو الاجتماع أو الأخلاق، بوصفها فواصل بين المسموح والممنوع، وبين ما يمكن التفاوض حوله وما يُعد مساسًا بجوهر القيم والكرامة الإنسانية. وغالبًا ما يُفهم تجاوز هذه الخطوط باعتباره تصعيدًا خطيرًا يهدد السلم الاجتماعي ويستدعي ردًا حاسمًا.
وتستمد هذه العبارة معناها من رمزية اللون الأحمر المرتبط تاريخيًّا بالتحذير والخطر والتنبيه، والذي انتقل من المجال البصري إلى الخطاب السياسي والرمزي ليعبر عن المحظورات الكبرى التي لا يجوز تخطيها دون تبعات. غير أن الخطوط الحمراء لا تكون دائمًا قواعد مكتوبة أو قوانين صريحة، بل قد تتمثل في معايير دينية وأخلاقية واجتماعية وسقوف وطنية يُفترض أنها تشكل حدًا أدنى من الإجماع الجمعي. إلا أن هذه الخطوط، حين تُفرغ من مضمونها، قد تتحول إلى مجرد شعار يُردد بلا أثر.
ومن هنا، يفرض الواقع سؤالًا ثقيلًا ومفتوحًا: إلى متى سنبقى نكرر أن عصابات الجريمة المنظمة تجاوزت الخطوط الحمراء؟ وأيّ خطوط هذه التي نُعيد رسمها في كل مرة، متراجعة خطوة بعد أخرى، فيما تتقدم عصابات الإجرام بجرأة متصاعدة؟ فالجريمة المنظمة، التي تتغذى على تقاعس مقصود في إنفاذ القانون، وعلى رعاية مباشرة من السياسات العليا الإسرائيلية، لم تعد تهدد الأمن فحسب، بل باتت تنتهك القيم الأساسية للحياة الإنسانية، مستفيدة من حماية تُفرغ أي محاولة جديّة للمحاسبة من مضمونها.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });لقد جرى الدوس على ما كان يُعد خطوطًا حمراء ثابتة، وفي مقدمتها حرمة الدم، وقدسية البيت والعائلة، وحق الإنسان في الأمان. ولم تعد جرائم قتل الأب وابنه، أو استهداف شاب معروف بعطائه الإنساني، صدمات استثنائية، بل غدت مؤشرات واضحة على انهيار منظومة الردع الأخلاقي والاجتماعي، في واقع يُنشر فيه الخوف والرعب، ويُنهك فيه المجتمع في الداخل الفلسطيني.
وتكشف الأرقام بحد ذاتها عمق الكارثة، إذ سقط 11 قتيلًا في المجتمع العربي خلال أسبوع واحد فقط. وهذه ليست أرقامًا عابرة، بل دماء تؤكد أن الخطوط الحمراء لم تُتجاوز فحسب، بل جرى محوها فعليًّا، في سياق يُعاد فيه تعريف الممنوع والمسموح على حساب حياة الناس وكرامتهم. وعليه، لم يعد السؤال: هل جرى تجاوز الخطوط الحمراء؟ بل: من الذي سمح بتحويلها إلى حدود وهمية تُداس يوميًّا دون رادع أو محاسبة حقيقية؟
ويتجلى هذا المنطق بوضوح في ما يجري في النقب، ولا سيّما في ترابين الصانع، حيث تُداس الخطوط الحمراء حين تتحول السياسات الحكومية إلى غطاء للقوة العارية. فالحملات الأمنية العنيفة، والحصار، والاقتحامات، وصولًا إلى القتل، لم تعد تُقدم كإجراءات استثنائية، بل كجزء من مخطط رسمي تقوده الحكومة ووزراؤها، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير، تحت شعار "فرض السيادة".
ولا يمكن فصل هذا الواقع الميداني عن الخطاب التحريضي الصادر عن قادة سياسيين إسرائيليين، ومنهم نفتالي بينيت، الذي وصف مؤخرًا الوجود العربي الفلسطيني في النقب بأنه "تهديد أمني" و"خطر شبيه بأحداث السابع من أكتوبر". فهذه التصريحات لا تكشف فقط عن عقلية عنصرية ترى في الوجود العربي خطرًا ينبغي "إدارته" وقمعه لا الاعتراف به، بل تُعبر بوضوح عن سياسات قائمة منذ عقود تقوم على تهميش أهل النقب، ومصادرة أراضيهم، وتجريدهم من حقوقهم الأساسية.
وهنا لا يُنتهك الأمن فحسب، بل تُنتهك حرمة الحياة والبيوت والكرامة الإنسانية، في تجاوز صارخ لكل ما يُفترض أنه خطوط حمراء قانونية وأخلاقية. وبدل أن تشكّل هذه الخطوط حواجز تحول دون الانزلاق إلى الاضطهاد والعنصرية، يجري تفريغها من مضمونها ومحوها عمليًا عبر سياسات ممنهجة تُعيد تعريف الممنوع والمسموح بالقوة، وتحول النقب إلى ساحة اختبار دائمة لانتهاك الحقوق وكسر ما تبقى من قيود الردع والمحاسبة.
وينطبق هذا المنطق ذاته على مفهوم الوضع القائم (الستاتوس كفو) في المسجد الأقصى المبارك، الذي لم يكن يومًا حالة ثابتة كما يُروج له، بل مسارًا متواصلًا من التغيير الزاحف منذ احتلال المسجد عام 1967. فالاحتلال هو من يحدد عمليًّا معايير هذا "الوضع"، عبر فرض وقائع جديدة داخل الأقصى تتحول لاحقًا إلى أمر واقع يُعاد تسويقه باعتباره "وضعًا قائمًا" يجب الحفاظ عليه.
ورغم ذلك، يتكرر الخطاب الرسمي الداعي إلى "الالتزام بالوضع القائم" بذريعة حفظ الأمن والاستقرار، في الوقت الذي يكون فيه هذا الوضع قد تغير فعليًّا على الأرض. وفي هذا السياق، جاء تصريح بنيامين نتنياهو زاعمًا أن وزير الأمن القومي لا يُجري أي تغيير في الأقصى، في تناقض صارخ مع الوقائع اليومية.
ومنذ تولي بن غفير منصبه، شهد المسجد الأقصى تصعيدًا نوعيًّا تمثل في تحويل الاقتحامات من استفزازات متكررة إلى سياسة شبه رسمية، شملت توسيعها زمانيًا وعدديًا، وتعزيز أداء الطقوس التلمودية العلنية، مقابل تضييق غير مسبوق على المصلين وحراس المسجد عبر الإبعاد والاعتقال ومنع الرباط. وهكذا، تحول خطاب "الحفاظ على الوضع القائم" إلى غطاء لفظي لإدارة تغيير جذري عليه، بما يُعيد تعريف الممنوع والمسموح بالقوة، ويشكل انتقالًا من التغيير الصامت إلى فرض وقائع علنية تكسر ما تبقّى من الخطوط الحمراء في المسجد الأقصى، تمهيدًا لمراحل أشد خطورة في الصراع على المكان والقداسة والسيادة.
إن أخطر ما في "الخطوط الحمراء" كما تُدار اليوم أنها لم تعد تُستخدم لحماية الإنسان وحقوقه، أو للتحذير من انتهاك المحظور وتجاوزه، بل أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لتبرير القمع وتطبيعه. ومن هنا، لا يكمن التحدي الحقيقي في ترديد الدعوات إلى عدم تجاوز هذه الخطوط، بل في كشف زيفها حين تُستخدم غطاءً للعنف، وفي إعادة تعريفها بما يمنع تحولها إلى قيود تُفرض على الضحية بدل الجلاد. وعندها فقط، يصبح كسر الخطوط الزائفة موقفًا أخلاقيًّا ضروريًّا، وخطوة أولى نحو استعادة المعنى الحقيقي لهذا المفهوم والحفاظ على هيبته.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio