وكأن الإعلان عن وقف إطلاق النار على غزة في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025 منح العالم، باستثناء أهل غزة، إذنًا غير معلن للعودة إلى ما يُسمى بالحياة الطبيعية. عاد الناس، في عمومهم، إلى إيقاع الأيام المعتاد، إلى تفاصيلهم الصغيرة ومشاغلهم اليومية، من دون أن تعود غزة معهم إلى واجهة الوعي والاهتمام. ومع أن هناك من، وإن لم يكونوا يمثلون الأغلبية، لم يروا حرجًا ولا عيبًا في مواصلة حياة البذخ والترف الزائف، في مشهد كشفت فيه الحرب جانبًا من واقع مؤلم وصعب، فقد عزز هذا الانطباع تداول مشاهد محدودة لعودة بعض مظاهر الحياة، وإعادة ترميم جزئي لبعض المرافق الصحية والتعليمية.
غير أن هذا الاطمئنان سرعان ما تبين أنه واهٍ. فحتى إن توقفت الحرب بأكثر صورها عنفًا، فإن الإبادة، بمعناها الأوسع، لم تتوقف لحظة واحدة. كل ذلك جرى من دون أن تُعكر صفو هذا الاعتياد صور الدمار، أو صرخات الأطفال الذين يواجهون الجوع والبرد والموت البطيء. فهل باتت عبارة "غزة تغرق"، رغم فداحتها، جملة لا تُعامل اليوم بوصفها خبرًا طارئًا، بل كخبر اعتيادي يمر في أسفل الشريط الإخباري؟
وفي قلب هذا "الطبيعي" المزيف، تفرض الوقائع نفسها على الأرض. فمنذ أسابيع، ومع دخول المنخفضات الجوية وهطول الأمطار الغزيرة، تتكشف في قطاع غزة مشاهد قاسية لا يمكن تجاوزها، خيام ممزقة تغرق بمياه الأمطار، وأطفال يرتجفون من شدة البرد، وعائلات بلا مأوى ولا حماية. ولا يفعل المنخفض الجوي الجديد سوى تعرية هشاشة ما تبقى من مقومات الحياة، في ظل استمرار الاحتلال في منع إدخال مستلزمات الإيواء، وعلى رأسها البيوت المتنقلة، وعرقلة إعادة تأهيل البنية التحتية، ولا سيّما شبكات الصرف الصحي. ووفق شبكة المنظمات الأهلية في القطاع، يعيش نحو 900 ألف إنسان تحت خيام مهترئة، في كارثة إنسانية مكتملة الأركان.
الأخطر من ذلك، أن هذه المعاناة لم تكن "طبيعية" أو ناجمة عن ظروف قاهرة فحسب، بل جاءت في سياق سياسات متعمدة. فقد أقدمت القوات الإسرائيلية على فتح مجرى وادي غزة، بعد أن كان مغلقًا بالسدود، ما أدى إلى اندفاع سيول قوية أغرقت مناطق واسعة وجرفت خيام النازحين، وفاقمت مأساة آلاف العائلات التي لا تملك أصلًا الحد الأدنى من وسائل النجاة.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وعلى امتداد هذه الوقائع، لم يتوقف العنف عند حدود الطقس أو الكوارث المفتعلة. فمنذ سريان وقف إطلاق النار، يواصل جيش الاحتلال قتل الغزيين وإصابتهم واعتقالهم، ويفتعل الذرائع لتنفيذ اغتيالات وتصفية حسابات مؤجلة. في الوقت ذاته، ما تزال المعابر مغلقة، وسياسات الحصار والتجويع قائمة، وحركة الأفراد مُقيدة، والمساعدات الإنسانية رهينة القرار الأمني الإسرائيلي. هكذا تغيّرت وتيرة القتل من السريع إلى البطيء، ومن الصاخب إلى الصامت، بعيدًا عن عدسات الكاميرات التي أُديرت نحو ساحات أخرى، في محاولة واضحة لإقناع العالم بأن الإبادة في غزة أصبحت من الماضي.
ومع الإعلان عن وقف إطلاق النار، انتقلت الكاميرات ووسائل الإعلام إلى ملفات "أكثر راهنية"، بينما تواصلت العمليات العسكرية في المناطق المصنّفة "آمنة"، أو ما يُسمى بالمنطقة الخضراء خلف "الخط الأصفر". والإشكالية هنا أن التدمير الممنهج لما يقع خلف هذا الخط يُتعامل معه وكأنه تفصيل هامشي، رغم أن هذه المناطق تشكل ما يقارب 60% من مساحة قطاع غزة.
وبعد أكثر من شهرين على وقف إطلاق النار، لم يلمس المرضى والمصابون أي تحسن يُذكر. المستشفيات منهارة، والدواء شحيح، والمستلزمات الطبية شبه معدومة، فيما ينتظر آلاف المرضى فتح معبر رفح لاستكمال علاجهم خارج القطاع. أما على صعيد الأمن الغذائي، فلا يزال جوهر الأزمة قائمًا، الحصار مستمر، والمعابر مغلقة، وما يدخل من مساعدات لا يرقى إلى الحد الأدنى، لتتفاقم معاناة الأطفال والنساء الحوامل من سوء التغذية.
إنّ ما يجري في غزة اليوم ليس "ما بعد الحرب"، بل طور آخر منها. إبادة بطيئة، مُهندسة، تُمارس عبر القتل المتقطع، والحصار، والتجويع، والتهجير القسري، وحرمان المدنيين من أبسط مقومات الحياة، تحت مرأى ومسمع الدول الوسيطة والضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار. هكذا تتحول الإبادة من مشهد دموي صاخب إلى واقع يومي صامت، فيما يغرق القطاع، حرفيًا ومعنويًا، والعالم يشيح بوجهه.
وعودة إلى البدء؛ هل ستبقى عبارات "غزة تغرق"، و"غزة تموت"، و"غزة تُباد" مجرد كلمات تُقال وتُكتب، وكأن ترديدها، ولا أستثني نفسي، يُسقط الواجب، ويمنح راحة زائفة، ويُعفي من تحمل المسؤولية؟ أم أن لحظة الحقيقة تفرض الانتقال من التعبير إلى الفعل، ومن التعاطف اللفظي إلى الحراك السياسي والإغاثي والإنساني المنظّم؟
إن ما يجري في غزة لا يحتمل الحياد ولا التأجيل. فتح المعابر، وإدخال المساعدات بكل السبل والوسائل الممكنة، وكسر الحصار المفروض على أكثر من مليوني إنسان، ليست مطالب إنسانية فحسب، بل واجب سياسي وأخلاقي عاجل. وهي مسؤولية جماعية تقع على الجميع، ولا سيّما على الفلسطينيين في الداخل والقدس والضفة، وعلى كل من لا يزال يرى في غزة جزءًا من قضيته، ولو من باب الحس الإنساني والتضامن الشعوري، لا كخبر عابر يُستهلك ثم يُنسى.
فغزة لا تحتاج مزيدًا من الكلمات، بل إلى فعل يوازي حجم المأساة، قبل أن تتحول الإبادة الصامتة إلى قدر دائم، ويغدو الصمت شريكًا لا شاهدًا فحسب.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio