كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

رمتني بدائها...

كل العرب · 07/11/2008 الساعة 15:52

لم يخطئ بعض الحكماء والعلماء ببواطن النفس البشرية إذ قالوا أن الإنسان يرى محيطه بتأثير كبير من إسقاطات نفسيته على ما يراه. وببساطة أشد، أقصد أن أقول أن الإنسان إن كان متفائلاً فإنه يرى الأمور جميلة ووردية، وإن كان متشائماً بطبعه فإنه يرى العالم من خلف نظارات سوداء العدسات. وعليه فلا غرابة أن يرى العالم أحدنا مستنقعا للعداء والمؤامرات والانشقاقات إن كان هو نفسه يعيش في بيئة هذه هي مقوماتها وهذا هو عمادها.
أسوق هذه المقدمة، باستغراب، لكوني أفقت صباحا على "مقالة" لرجا زعاترة نشرها في موقع الجبهة الإلكتروني وفي صحيفة الاتحاد قبل ذلك بيوم، حول ما أسماه "سياسة الانتحار البطيء"، وكان رفيقه وسكرتير جبهته قد سبقه بأيام إلى الكتابة تحت عنوان "كيف أحايد والجبهة تنحاز؟". أقول باستغراب، بل وبأسف لأن المذكورين أعلاه يتصرفان في كتاباتهما بشكل غريب ومتناقض داخليا، حيث وعلى مدى الأشهر الماضية كلها (وما سبقها) لم يهاجم أي عضو في التجمع أو قيادي فيه الجبهة، ولم يظهر من مواقفه السياسية أو ممارساته أي عداء للجبهة. تماما بعكس ما يدعيه زعاترة وعودة في افتتاحيات مقالتيهما الهجومية غير المبررة على التجمع ومواقفه وممارساته، إلا بأزمة حادة وجدية داخل الجبهة يحاولان تصديرها للخارج وإسقاطها على التجمع تحديداً نظرا، على ما يبدو، لأن آمالهما خابت بأن تقضي الهجمة الأخيرة وما قبلها على التجمع. الأمر الذي لم يحصل بل وتجاوزه التجمع الوطني التجمع لا يعادي الجبهة، والإثبات أنه لا يهاجمها. ولكن من حقي الاستنتاج أن الجبهة تناصب التجمع العداء على أساس الهجومات الكتابية والشفوية المتكررة "لرموز" الجبهة على التجمع. فعندما يقول زعاترة في مقالته المذكورة: "أن استراتيجية التجمع الأساسية هي ضرب الجبهة ودعم خصومها أينما وأيّاً كانوا" ويسوق أمثلة عن الناصرة (؟!) والبطوف وعيلبون، فإن الشعور الطبيعي لدي أنا لا بد أن يكون الاستغراب والاستهجان. لأن التجمع الوطني الديمقراطي في الناصرة يخوض الانتخابات البلدية ضمن تحالف "تجمع الإصلاح والتغيير" الذي أعلن منذ البداية أنه لا يخوض هذه الانتخابات ضد أحد من منافسيه، بل مع مصلحة البلد وأهلها. فكيف يدعي زعاترة أن التجمع يدعم خصم الجبهة في هذا الموقع الذي لم تعلن فيه قائمة التجمع دعمها لا لمرشح الجبهة ولا لخصمه؟! لا تدعو القائمة في الناصرة للتصويت لأحمد الزعبي كما لا تدعو للتصويت لرامز جرايسي. أما استنتاج زعاترة المبني على أساس الخلل النفسي لديه، والمتلخص بالمقولة: "كل من ليس معي هو ضدي بالضرورة"، فإني أترك لرجا أن يهتم بعلاجه لدى المختصين وهو المسؤول الوحيد عن هذا الاستنتاج.
ويسوق زعاترة البطوف (يقصد سخنين تحديداً) وعيلبون أمثلة أخرى، ففي سخنين لا يدعم التجمع مازن غنايم لكونه منافسا لمرشح الجبهة، بل لأن مازن عضو في حزب التجمع منذ سنوات طويلة وهو مرشح التجمع وحلفاؤه، فكيف للتجمع ان يدعم غيره؟! أما في عيلبون فإن الحد الأدنى من حق التجمع (كما في بلدات أخرى) أن يدعم مرشحاً آخر غير مرشح الجبهة، وهو أمر شرعي، خصوصاً أن الجبهة لم تستشر التجمع في تسمية مرشحيها للرئاسة لا في عيلبون ولا في غيرها، ولم يعلن التجمع في أي من هذه البلدات ان مرشحي الجبهة يمثّلوه.
ويستمر زعاترة إلى أن يقول: "يصبح السؤال ليس ماذا أنجزت أنت، بل كم نجحت في إفشال غيرك". وأردّ أنا بالقول لرجا: لا تحتاج جبهتك لمن يفشلها، فقد أفشلت نفسها وفشلت قبل أن تبدأ. فالانشقاقات والمؤامرات تنخر جسدها دون أية علاقة بدور التجمع. ودعني أسوق لك مثلا طمرة وعيلبون ويافة الناصرة وكفر ياسيف وغيرها من الفروع التي انشقت الجبهة في كل منها إلى نصفين وتخوض الانتخابات هناك ضد كوادرها أو ضد قائمة الحزب الشيوعي في أحسن الأحوال.
وأذكرك يا رجا، وإن كانت الذكرى لا تنفع أمثالك، أن ليس لدى التجمع أية نية لإفشال الجبهة أو ضربها، ولو كانت له نية كهذه لما قام بدعم مرشح مشترك تدعمه الجبهة أيضا في بعض الأماكن كما في أم الفحم مثلاً، ولما خاض الانتخابات المحلية بقوائم مشتركة مع الجبهة كما في يافا ونتسيرت عيليت. بينما أسمح لنفسي بالادّعاء أن الجبهة لديها هدف بضرب التجمع وإفشاله، لعلها تنجح بما فشلت به السلطة (فشر!)، وأسوق الأدلة على ذلك حيث خرقت الجبهة في شفاعمرو الإجماع الوطني الداعي لترشيح مرشح واحد توافقي لكل القوى الوطنية والمعارضة هناك ضد ذنب السلطة الذي يرأس البلدية اليوم، إذ قامت بطرح مرشح جبهوي للرئاسة... وعندما قررت الجبهة سحب هذا المرشح، توجهت لدعم المرشح الأضعف (ناهض خازم) وليس مرشح بقية القوى الوطنية والأوفر حظا للفوز (أمين عنبتاوي)، لا لشيء إلا لكون التجمع يدعم هذا المرشح!! ليس لدى الجبهة مشكلة بدعم مرشح قليل حظوظ الفوز من أجل إفشال مرشح التجمع حتى لو كان الثمن عودة عميل لرئاسة بلدية شفاعمرو نظراً لأن تصرف الجبهة يشكّل خطراً على التغيير المنشود. تماما كما هو الوضع في مدينة حيفا حيث تدعم الجبهة مرشح حزب كاديما العنصري "يونا ياهاف" دون قيد أو شرط، مفضلة بذلك تهميش الوزن الكمي والنوعي للأصوات العربية التي بإمكانها أن تحقق الإنجازات للعرب في حيفا عندما تصب للمرشح العربي وليد خميس، الذي يبني تكتيكه على استغلال هذا الوزن الانتخابي لمصلحة الناخب والمواطن العربي في حيفا في المفاوضات مع أي مرشح يطلب دعمهم... فلماذا لا تدعم الجبهة وليد خميس إن لم يكن السبب كونه ابنا للتجمع فقط ولو لم يكن هدفها ضرب التجمع وإفشاله ولو على حساب مصلحة المواطنين العرب الذين يشكلون 10% من المدينة، من خلال بيعهم بلا ثمن لياهاف وكاديما بادّعاء "المحاولات العنيدة لإحداث اختراقات في صفوف المواطنين اليهود، والتي لم تعرف الكلل قط"... كما يقول أيمن عودة في مقاله. ولعلي ألفت انتباه أيمن في هذا الموقع إلى أن محاولاته وحزبه وجبهته، تلك التي لم تعرف الكلل يوماً... لم تعرف أيضاً أي نوع من أنواع النجاح على مدى ستون عاما من المحاولة. ولعل الوقت حان فعلا لتجربة الطرح الآخر الأصح الداعي لتنظيم العرب نوعيا وكميا على أساس عروبتهم وقوميتهم والحوار مع الآخر على أساس الندّية، وهو صاحب الحظوظ الأكبر بالنجاح!
وأخيرا، إذ أتمنى (ويتمنى حزبي ورفاقه) أن تعيد الجبهة حساباتها تجاه تقييم الآخرين دون تقييم الذات، أقول يا أيمن ويا رجا، إن من بنى جبهته خلال السنين على قواعد العائلية والطائفية البغيضة، لا يرمين الآخرين بها وهم منها براء. وإن من يدعي أنه "أول المناضلين ضد تعايش الفارس والفرس" لا يصح أن يكون أول المنبطحين مجانا تحت قدمي مرشح كاديما من أجل إفشال مرشح العرب التجمعي. ومن يدعي "انحياز الجبهة للطبقات الضعيفة" لا يعيد إجراء انتخاباته الداخلية ثلاث مرات يغير في كل مرة منها مرشحه الأول (عدنا زاريتسكي المرشحة الثانية ثابتة ومحصنة) ولا يمنع ترشيح أحد رفاقه ويبعده عن المنافسة على رئاسة القائمة لكونه "مصلّح غسالات"!!... فكيف يستوي الانحياز للطبقة العاملة والضعيفة مع التآمر على أبنائها وصدّهم لكونهم منها؟؟؟!
 قلنا أن الجبهة تهاجم التجمع وتحاول ضربه وإفشاله، وتدعي أنه من يقوم بذلك. وأقول أن الجبهة مأزومة ومنشقّة ومنخورة بسوس المؤامرات، وتدّعي ذلك على التجمع الذي لا انشقاق في أي فرع من فروعه ولا خلاف على مستوى قيادته الجماعية. وأقول أيضا أن الحكمة العربية السالفة قالت: "رمتني بدائها وانسلّت"، أما اليوم فإن خبرتي في التعامل مع جبهة الحزب الشيوعي وأبنائها تقول: "رمتني الجبهة بدائها وانشلّت"... شفاها الله مما هي فيه.

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع