واقعٌ مسربلٌ بالآه
الزهور، وأشجار الصنوبر، وثوبٌ أبيض هفهاف كانت ترتسم أثاره على جسدها الغّضّ، فكانت ترفع فلك قلبها وعيونها إلى السماء، إلى فوق، إلى عالمٍ تستريح به نفسها من الألم الذي ينتظرها، لا محالة، هكذا كانت تشعر، فالحياة ستقذف بها إلى نيران الحزن والألم، وتُريها من ألوان الشقاء الشيء الكثير.
كلُّ من عرفها، ورأى محيّاها الفاتن، تمنّى لو تطول الدقائق والساعات ولا يهرب الوقت ليتسّنى له سماع ما تورده من عذب الحديث، وفنّ الكلام، فهي بقدر ما ابتسمت وتفاءلت، بقدر ما مالت إلى الوحدة، إلى العزلة، لا لأنّها غريبة الطبع والمزاج، بل لأنَّ سهام الحزن ما توالت أن أصابتها، فالعينان تجهشان بالبكاء، والقلب تعيسٌ مفعمٌ بالهموم، يسأل "أمي" ولكن صدى الصوت يرجع فيعود.... كما أتى.
ومع كلِّ هذا، فما لعنت يومًا القدر على الألم الذي يفتّق روحها، ولا لامت أحدًا في ذلك، لا لأنّها كانت تتخفّى وراء أقنعةٍ كانت تظهر أمام الجميع سعيدة، ضحّاكة المُحيّا، بل لأنّها آمنت أنَّ القدر سيحقّق مشيئته لا محالة، فلماذا تحزن ويكتنفها الوجوم أمام بشرٍِ لا ذنب لهم بما أصابها، أتذيع خبر أحزانها وتنشر مآسيها أمام أيٍّ كان، فما ذنبهم أن يعرفوا، أن يساورهم الألم هم أيضًا، فيرسموا من الحياة لوحة حزنٍ وبؤسٍ؟!
لو عرفوا بحالها لما كانوا يحسدونها لما هي عليه الآن، فمن أين لها أن تأتيها المسّرة؟ أمِنَ الطفولة التي قضتها وهي تعتني بوالدتها السقيمة، فكان المرض قد أذاقها مرارة العيش، وجعلها تتلوع في الفراش وحيدةً، فلم تجد بجانبها إلاّ فلك تعتني بها، فأبوها لم يكن يأتي إلى البيت إلاّ والفجر قد ظهر، فيلج الدار ورائحة العرق والكحول تملأ ثيابه، فيعبق البيت برائحةٍ كريهةٍ فاسدة، والخمر قد جعل من مظهره نصف إنسانٍ، بلا وعيٍّ ولا أيِّ إدراك، فلم يكن يشغله شيءٌ سوى النقود وكيف يحصل عليها ليبذّرها في شرب الكحول كل يومٍ، وكلُّ هذا لم تدركه فلك حقَّ الإدراك إلاّ بعد أن توالت الأحداث وتكررت التجارب، فلم تشرق فلك إشراقتها إلاّ بعد أن لفظت أمّها أنفاسها الأخيرة ووافتها المنيّة....
وحين ماتت أمّها، كانت فلك صغيرة، ولكنّها شعرت برحيلها، فانسابت الدموع من عينيها كنهرٍ غزيرٍ حزنًا على فراق أمّها، وهي من ليسَ لها غيرها، فإخوتها يعيشون بعيدًا في المهجر، وهي الوحيدة في كل شيء، حتى عندما ينهال والدها عليها بالضرب، فهو يريد مالاً وبأيِّ طريقة، وهي لا تملك لتعطيه فهي صغيرة، ولكن رغم المحاولات فعبثًا أن يقتنع بصدق قولها، فيضربها، ويجعل الدماء بحرًا يسيل من وجهها الرقيق الناعم وهو في حالته الهستيرية.
فزوجته ماتت ولم يأبه لذلك، ولا حتّى دموع ابنته، وهي تخنقها وتغصُّ العبرات في حلقها، فتصرخ وتنادي" أمّاه" فتشتعل نيران قلبها حنينًا ولوعةً، لم يكفه أنّها تعاني ومنذ حداثة سنّها، بل جعل من طفولتها تتلوّن بالقسوة والألم، بدلاً من أن تعيشها كباقي الأطفال في نشوةٍ وحبور.
فكان سعد والدها حادّ الطبع، عصبيّ المزاج، دومًا كان يضربها، وغالبًا لم تفعل شيئًا تزعجه، فقط لأنّها لم تعطه مالاً، فهو لم يفهم صِغر سنّها، فأبٌ كهذا حتّى لا يعرف من الطفولة شيئًا، فما أن كانت فلك تتجرأ أن تقول "لا" حتّى يحبسها في غرفةٍ لوحدها، فيعتصر الحزن روحها وكيانها.
فمع كل نداءات فلك له أن يخفّف عنها قسوته، إلاّ أنَّ الأمر لم يجدِ نفعًا معه، فظلَّ كما هو وكما عهدته، ولكن يومًا ما شعرت أنّه يُكلمّها على غير عادته، فصوته كان حنونًا معها حينها، فأثار الأمر استغرابًا في نفسها، وتساءلت ماذا عسى أن يكون هذا التغيير، وهي لم تعهد إلاّ نبرة صراخه الحادة والقسوة الصارمة.
فدنا منها واقترح عليها أن تعمل، تذهب كل يومٍ إلى الشارع وتطلب صدقةً من أيِّ شخصٍ تلقاه، ذهلت عندما سمعت ما قال والدها، وآلمها الأمر كثيرًا، لأنَّ من يجعلها بلا كرامة هو أبوها الذي تعيش معه، ليس أحدٌ غريب، فهي لم تكن كما كان يعتقد عنها، فرغم صغرها شكلاً، إلاّ أنَّ من يمعن النظر إلى داخلها يدرك كم أنّها حكيمة، عاقلة ورزينة، ولكن ليت أباها من يدرك، من يتفهّم ويجعلها تعيش طفولتها كمِثل أترابها.
ولكن الويل لها إن تجرأت وقالت "لا" فكيف ستجرؤ أن تخالف لوالدها مشورةً، فلتتألم قدر ما تشاء، فهو لا يأبه لها، المهم أن تأتي له كل يوم بالنقود، فمضت فلك كما قُدّر لها أن تعيش مع واقعها الأليم، وهي في داخلها تشتعل حنقًا وحزنًا لما هي مقبلةٌ عليه، فشرعت كلَّ يومٍ تسير في الشوارع، تتسوّل بين البشر، وعيناها لا تطلب صدقةً، بل تطلب نظرة عطفٍ لحالها، لا أكثر، والويل لها إن مرَّ يومٌ دون أن تحصّل نقودا، فالموت كان أهون عليها من أن ترى اللكمات تنهال عليها، من الكلام البذيء الذي تسمعه إذا لم تأت لوالدها بالمبلغ الذي يريد كلَّ يوم.
فتظلُّ واقفةً في الأحياء الشعبية من الصباح الباكر حتى آخِر النهار، وبعدها تنتقل إلى الشوارع العامة، والحرُّ يخنقها، ونظرات البشر المصّوبَة نحوها تلفّها بألف تساؤلٍ، فماذا يكون الدافع لطفلةٍ في عمرها لأن تستجدي، أين لجمالها أن يترك إلاّ وصمة عارٍ في مجتمعٍ غلبت على طابعه الظواهر، الجميع ينظرون، وهي تجرُّ نفسها ببطءٍ على حافة الطريق، وبالقرب منها ترى مثوى أمّها، فترمي إليه نظرة..... ويطول الانتظار.