الحقيقة بين نظرية الشعر والتلميح
الحقيقة أنني في حيرة من أمر الحقيقة العددية , والمقاعد الانتخابية , وأماكن الترشيح , أو الكلام الصريح , بشجب كل ما هو قبيح , غير أني سأتحدث عنها بقول أهل الرياضيات , أن الأرقام " حقائق مكمّاة " يعني , لها وتدل على كمّيات , ويقول أهل الفيزياء أن وحدات القياس ليست إلا " تجزئة كليات الحقائق " , فمثلا :
الرقم واحد هو حقيقة كمّيتها واحد .
الرقم اثنين هو حقيقة كمّيتها اثنين .
الرقم خمسة هو حقيقة كمّيتها خمسة .
واحد من ماذا ؟
من الحقيقة !
خمسة من ماذا ؟
من الحقيقة !
ما هي الحقيقة ؟
الحقيقة هي أي شيء لا يمكن أن يمثّل سوى نفسه !
يعني " النار " حقيقة , لا يمكن أن تكون النار ماء في أي لحظة من اللحظات – إلا بقدرة الله القادر على كل شيء – فهي لا يمكن أن تمثّل إلا النار . فقليلها نار , وكثيرها نار .
لذلك كونك في المكان الأول مرشحا لتجلس على الكرسي الأول لا يمكن بحال من الأحوال أن تمثّل المرشح الذي سيجلس على الكرسي الثاني أو تحل محله أو تمثله لأنك أنت في المكان الأول وهو في المكان الثاني أو المكان الخامس .
والأرقام وأماكن الترشيح لا تقبل التحقق منها , فمثلا قل :
كيف خمسة ؟
خمسة يعني خمسة ! كيف يعني " كيف خمسة " ؟ ما لها من معنً !
هي خمسة في كل الأحوال !
متى خمسة ؟
خمسة يعني خمسة ! كيف يعني " متى خمسة " ؟ ما لها من معنً !
هي خمسة في كل حين !
أين خمسة ؟
خمسة يعني خمسة ! كيف يعني " أين خمسة " ؟ ما لها من معنً !
هي خمسة في كل مكان !
والله مشكلة !!!
لا مجال للتفكّر ولا للتساؤل هنا !
هنا تفكّر المتفكرون فقالوا " عليكم بالتمليح والتلميح " فإنه لكم غثاء .
فقالوا : " خمسة " تمليحها " مخمّس " .
هي خمسة لكنها خمسة في كفٍ ما , في وجه ما !ثم قالوا : " خمسة تلميحها " خميسة " !
عندها سيعلم السامع أنها خمسة ولكن " خمسة صغيرة " .
امممممممممممممم
الآن فقط صارت الخمسة غير الخمسة , فهي خمسة ولكنها مليحة .
ولكي تتوضح الصورة أكثر نسلط ضوءا مباشرا مركّزا , فنقول : عند تطبيق هذه النظرية على الانتخابات ومقاعدها , تكون النتيجة كالتالي : مقعد تمليحه " مقعّد " وأما تلميحة " مقيعد " . فإنك ترى بوضوح إن كان في رأسك عينين أن مقعّد غير مقيعد ولكنه مليح , وإن كان مقيعد بحجم ذلك الذي في روضة الأطفال .
ومنذ ذلك الحين والحقائق تتغيّز , واللغة تنمو , حتى صار لدى الإنسان من المفردات ما يكفي لإرضاء " تنوّع الشقاء لديه .
ثم أصبح الناس شعوبا وقبائل لأن " كل واحد يريد أن يحسب الواحد والخمسة على كيفه وهواه ومصلحته , فهذا يحسبها " ملمّحة " وذاك يحسبها " مملّحة " .
وفي النهاية " الخمسة ليست إلا خمسة " ولكن بعض الناس لا يعلمون , يلبسون وجوه الكلام .... يتكلمون !
يتبعهم الغاوون
يخرجون من عنق اللغة
من أضيق مخارجها
من بين الصدر والقافية
وقد توشحوا وقار الأدب وسدانة الكلام
مبجّلين بحرفة الشعر ونياشين النحو والصرف
يتقنون رياضيات اللغة ومعادلات الأوزان
فيرَون الكلام المنثور , عبثيّة وفوضى , وحق لهم ذلك
وليس بالطبع شعر . وربما كان كذلك !
متعللين بحفظ الأرث المقدّس
لفصاحة الفصحى
ووصايا أبو الأسود الدؤلي
وهو كذلك .
هم غاوون , غير أن فيهم خصلة اللغة .
لا يهذون كما يهذي " العموديون " ولا يخلطون الخلّ بالزيت
كلٌ على موقفه ثابت
الأول للكرسي الأول
والثاني للمقعد الثاني
حقيقة جدلية منتهية