هبة القدس والأقصى ويوم الأرض
هبة القدس والأقصى ويوم الأرض ووكلاء التدجين
لا يثور الناس على شبكات الصرف الصحي ولا يستشهدوا من اجل طباشير في المدرسة,الاستشهاد والمواجهة وفتح الصدر للرصاص ليست معركة ضد العنصرية أو على المساواة.
بالضبط كما حدث في يوم الأرض عام 1976 عندما خرجت الجماهير إلى الشوارع بدون استئذان احد , خرجت الجماهير في انتفاضة القدس والأقصى في أيلول العام 2000 بدون استئذان احد,لا حزب ولا حركة ولا شخص,حركة الجماهير لا تستأذن أحدا لا حزب ولا حركة ولا شخص.
بالضبط كذلك مثل انتفاضة يوم الأرض هناك من رغب في إخفاء آثار الفعل ,وتقزيمه وتحويله إلى معركة على العنصرية,المساواة والمواطنة لان على غير هذا الحال ستكون المسالة في غاية الصعوبة.
بعد يوم الأرض قادت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة معركة تدجين منظمة,كانت هي في تشكيلها تعبير
لا يمكن للحزب الشيوعي الإسرائيلي ان يدعي اليوم انه كان مع المواجهات مع السلطة فهو رفضها وما زال ,وإذا كان هناك من قيادة الحزب واحد أو اثنين من رغب في المواجهة فهو لم يمثل موقف الحزب الشيوعي الإسرائيلي ,الجبهة التي تشكلت ما بعد يوم الأرض لم تعبر عن حالة ثورية ,كانت هي صمام الأمان لأي حالة اندفاع أداة ضبط ,كانت تحالف واضح بين الحزب الشيوعي الإسرائيلي وبين القيادات التقليدية والعائلية والتي كانت أصلا مرتبطة مع السلطة والتي كان الحزب لعن وشتم بعضها في يوم الأرض 1976,كان الجبهة تشكل حل الوسط بين السلطة والحزب ,لان يوم الأرض كان يعبر عن حالة وطنية ثورية بكل ما تحمل الكلمة من معنى,وهي الحالة التي لم يمثلها الحزب الشيوعي الإسرائيلي في يوم من الأيام ويشهد على ذلك أدبياته ,لقد سرق الحزب الشيوعي الإسرائيلي يوم الأرض والجماهير معه يعد يوم الأرض الأول بل واغتصبها ,وادعى حق الملكية عليها,ولا ندري لماذا يصمم الحزب حتى اليوم الادعاء انه صانع يوم الأرض , على ماذا يستند من الحقائق غير موقف توفيق زياد في اجتماع الرؤساء في شفا عمرو هذا سؤال لم يجب عليه الحزب حتى اليوم وهو مطالب بالإجابة عليه على أساس انه يدعي والبينة على من ادعى.
الملفت للنظر أن تكرر التجربة بعد أحداث انتفاضة القدس والأقصى بأدوات جديدة,والمقصود أن هناك من كان معنيا بإخفاء آثار هبة القدس والأقصى وتحويلها مرة أخرى إلى معركة ميزانيات وشوارع وعنصرية وطباشير .
وفي كلا الحالتين تم وأد الحدثين , وأدهما دون البكاء عليهما,وبكل أسف التقت مرة أخرى توجهات السلطة مع توجهات تيارات وأحزاب وحركات . كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي معني بدفن يوم الأرض ببعده الوطني الذي كان بارزا بشكل لا يقبل المساومة مع الحالة الإسرائيلية التي طرحها وأرادها الحزب الشيوعي الإسرائيلي للجماهير ,وليس من قبيل الصدفة أن تبدأ المعركة على فلسطينية الجماهير هنا بعد يوم الأرض الأول مباشرة, حيث قادت الحركة الوطنية التقدمية وهي الذراع الطلابي لحركة أبناء البلد المعركة في الجامعات بأكثر صورها وضوحا,ويعرف قادة الحزب والجبهة اليوم مع من كانت تخاض هذه المعركة في الجامعات ,وليس بإمكانهم أن يتنكروا لتلك المعركة التي كانت تكلف ناشطي الطلاب من أبناء البلد ضربات وعصي احيانا.
لقد خاضت الجبهة المعركة فيما بعد يوم الأرض على إسرائيلية الفلسطينيين هنا,وليس العكس,وكانت تعاير كل من يدعي انه فلسطينيا وجزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني,كانت تتهمه بالتطرف والعدمية ,هذه ليست ادعاءات هذه حقائق بالإمكان أن يسألها كل واحد لناشطي الحركة الوطنية في الجامعات والجبهة كذلك,على ذلك لم تشكل الجبهة المتشكلة فيما بعد يوم الأرض قفزة وطنية من أي نوع ,بالعكس لقد مثلت حتى من حيث الرؤية الماركسية التي بنى الحزب الشيوعي الإسرائيلي على أساسها الجبهة ردة ثورية .
كان الجبهة الديمقراطية هي الأداة "الوطنية" الجديدة التي بواسطتها يتم تدجين الجماهير بعد يوم الأرض ,والتي اضطلعت كذلك بالمهمة الأهم هي الاسرلة على الطريقة الوطنية .
كانت الحالة الثورية التي أنتجها يوم الأرض أو حالة المد الوطني تؤكد على أمرين :الأول فشل مشروع التدجين الإسرائيلي بغض النظر عن مضمونه(أي بطريقة السلطة أو بطريقة الحزب الشيوعي الإسرائيلي) ,لان الحزب الشيوعي الإسرائيلي خاض معركة حامية الوطيس على الجماهير لاسرلتها منذ النكبة,هذه هي الحقيقة التي لا يمكن النقاش حولها كما تشير أدبيات الحزب الشيوعي الإسرائيلي ومؤتمراته وصحافته (بإمكان كل واحد العودة إلى المؤتمرات والصحف ليقرا ).
أما الأمر الثاني فيتمثل بحالة الاحتجاج التي مارستها الجماهير ,وهي غير مسبوقة منذ النكبة على المستوى القطري والجماهيري لا من حيث الاسلوب ولا من حيث النتائج,وفي هذه كذلك يرفض الحزب الشيوعي مبدئيا أن تنشط الجماهير بهذا الأسلوب (وان كان عادة يصعد على الموجة ويستثمر الاحداث بالشكل الذي يريد),كما أن السلطة ترفض مبدئيا مثل هذا النشاط الذي يهدد أمنها وكيانها.
كان يوم الأرض يتطلب إنتاج حالة جديدة توائم بين الوطنية والسلطوية ,لقد فشل النموذج الذي طرحته إسرائيل من الأحزاب العربية ,أحزاب السلطة التي كانت مجرد مقاول أصوات وضابط مخابرات ,من جهة أخرى ما كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي قادر على الاستمرار بأسلوبه القديم,لكن في ذات الوقت التقت مصالح الاثنان,السلطة من جهة والحزب الشيوعي الإسرائيلي من جهة أخرى,هكذا ولدت الجبهة,كانت ولادتها قيصرية بفعل يوم الأرض ,لان يوم الأرض كان مخاضا قاسيا ,ما كان بالإمكان الإفلات منه.
بالضبط كما يوم الأرض كانت انتفاضة القدس والأقصى(التي ما زال البعض يصمم على أنها هبة اكتوبر لأسباب سياسية وتضليلية ومساهمة في تزييف التاريخ)
انقض وكلاء التدجين على شهداء هبة القدس والأقصى إل 13 ليسلبوا من الحدث كل معنى يقتضي ربطه بالشهادة والمكان (الأقصى) والوطن(ربطه بالانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة).
كان وكلاء التدجين من أحزاب وأشخاص ومنظمات مجتمع مدني (وهي العنصر الجديد الذي نشط بقوة فيما بعد انتفاضة القدس والأقصى_منذ بداية العام 2000) ,ينشطون بكل أسلوب ممكن,المهم ولعله الأهم مسح أي اثر عن الحدث قد يوحي انه ذا دلالات دينية (بالأساس ) ووطنية.
لقد كان حجم النشاط مذهلا ,لقاءات تعايش وزيارات مكثفة حتى لأحزاب اليسار الصهيوني وقطف زيتون مشترك في الروحة ,واكل لبنة ومسخن ,ولقاءات في الأعياد ,وتأكيدات على أن ما حصل هو تعبير عن عنصرية لا أكثر ولا اقل,ومؤتمرات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ,وخيم تعايش وافطارات رمضانية يتخللها الرقص ,ولقاءات لعائلات ,وتربية للتعايش,ولقاءات رجال دين ,كان كل ذلك يهدف إلى تحقيق هدف واحد ,تنفيس غضب الناس وتفريغ هبة القدس والأقصى من معناها ومن أية دلالة دينية أو وطنية .
على ذلك جاء لقاء معالي هحميشا مباشرة بعد أحداث انتفاضة القدس والأقصى ليباشر في عملية تدجين متواصلة ,كان هدف هذه اللقاءات والتصورات والوثائق فيما بعد صياغة العرب من جديد بعد "فاجعة القدس والأقصى".
كانت الفاجعة كبيرة على الأقل بالنسبة للذين راهنوا على ثقافة المجمعات التجارية وبطاقات الاعتماد والرحلات الصيفية والاستهلاك , راهنوا عليها أن تقضي على هوية الناس الفلسطينيين في بلدنا ,وطنهم ودينهم ,لكن ذلك لم يحدث ,وكان من الضرورة اخذ كل التدابير اللازمة ما بعد الهبة ,وصياغة حالة "وطنية -اسرائيلية" جديدة,وللأسف فان الحالة الفلسطينية في الأراضي المحتلة والحالة الإسرائيلية –الفلسطينية اليوم(العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية) صارت تتيح لتيار التدجين حيزا أوسع للنشاط والعمل والتعاون مع الجانب الإسرائيلي ,وما عاد من العيب رؤية مثل هذا التعاون والنشاط .
لقد فتح يوم الأرض البعد الوطني على مصراعية, فيما فتحت انتفاضة القدس والأقصى البعد الديني بأكثر صوره وضوحا منذ النكبة(وليعذرني الإخوة الذين ما زالوا يستنتجون أن الدين يعني طائفية على أية حال وفي كل الحالات ),كان مثل هذا الأمر مشكلة مضاعفة لدى الجبهة بشكل خاص بخلاف الأحزاب ذات التوجه الوطني والقومي التي رأت للمواجهة شكلا معينا(وطني او قومي) فيما الجبهة رفضت مبدئيا ان ترى للصراع أي بعد وطني أو قومي أو ديني .
إلى الجبهة أضيف عنصرا جديدا في عملية التدجين ,هي جمعيات المجتمع المدني وان كان هناك اختلافا في رؤية بعضها لكنها من حيث العمل والنشاط ظلت تنشط في دائرة المواطنة والمساواة والعنصرية محاولة نزع فتيل كل توجه ذا بعد وطني أو قومي ,ولا شك أن التجمع الوطني الديمقراطي لم يحسم أمره بعد في مسالة منظمات المجتمع المدني الأمر الذي يجعله في منزلة بين منزلتين في هذه المسالة,ويجعل خطابه مركباته(من الليبرالي إلى المحافظ ) في تناقض شديد أحيانا.
يقول صدقا أهالي الشهداء حين يؤكدون المرة تلو المرة أن هناك من يحاول أن يدفن الذكرى ودم أبنائهم,لكن عليهم أن لا يغضبوا كثيرا فالمسالة لا تخص أبنائهم بشكل شخصي ,من يحاول أن يدفن دماء الشهداء وان يحولهم إلى مادة للقانون الدولي ولوائح توقيع في مكتب رئيس الحكومة وعروض إعلامية فقط يعرف ما يريد,انه يريد دفن مفهوم الشهادة والتضحية,لأنه من جهة لا يمكن تحويل الاستشهاد والشهادة إلى عريضة استنكار,ومن جهة أخرى لا يمكن إيصال الشهادة والاستشهاد حتى الى مراتب وصل إليها حتى اليسار الإسرائيلي من قبل,وفي المنزلة بين منزلتين لا يمكن رؤية المشهد إلا على هذا الحال ,كئيب.