كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

العقل والذكاء والحمق..يوسف الجرجاوي

كل العرب · 07/08/2008 الساعة 16:35

عندما خلق الله عز وجل العقل وهو اول ما خلق وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال " اول ما خلق الله سبحانه وتعالى العقل فقال له اقبل فأقبل ثم قال له ادبر فأدبر فقال عز من  قال : "وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا اعز على منك بك اخذ وبك اعطي وبك اعاقب" 
وقال اهل العلم والمعرفه : العقل جوهر مضيئ خلقه الله عز وجل في الدماغ , وجعل نوره في القلب يدرك به المعلومات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهده . وقد يخص الله سبحانه وتعالى بألطفه الخفيه من يشاء من عباده , فيفيض عليه من خزائن مواهبه رزانه العقل وزياده المعرفه تخرجه عن حد الأكتأب ويصير بها راجحا عن ذوي التجارب والاداب , ويدل ذلك قصه يحيى بن زكريا عليهما السلام فيما اخبر الله تعالى في محكم كتابه العزيز حيث يقول "واتيناه الحكم صبيا " فالذكاء هدايه من الله سبحانه وتعالى لو كان صغير السن قليل التجربه .
وعلى ذلك قصه رجلان دخلا على داود عليه السلام احدهما صاحب غنم , ولاخر صاحب خرث (مزرعه) فقال احدهما : ان هذا خلت غنمه بالليل الى حرثي فاهلكته واكلته ولم تبق فيه شيئا , فقال داود عليه السلام :  الغنم لصاحب الحرث عوضا عن حرثه , فلما خرجا من عنده مره عليه سليمان عليه السلام ابن داود وكان عمره انذاك احدى عشره سنه , فقال لهما : ما حكم بينكما الملك ؟ فذكروا له الحكم , فقال : غير هاذا ارفق بالفيرقين , فعادا الي داود عليه السلام وقالا ما قاله ولده سليمان عليه السلام فدعاه داود عليه السلام وقال له ما هو الارفق بالفيرقين ؟ فقال سليمان عليه السلام : تسلم الغنم الى صاحب الحرث (وكان الحرث كرما تدلت عناقيده في قول اكثر المفسرين) فيأخذ صاحب الكرم الاغنام ياكل لبنها وينقفع بدرها ونسلها . ويسلم الكرم لصاحب الاغنام ليقوم به , فاذا عاد الكرم الي هيئته وصورته التي كان عليها ليله دخول الغنم اليه سلم صاحب الكرم الغنم الي صاحبها وتسلم كرمه كما كان بعناقيده وصورته : فقال له داود : القضاء كما قلت , وحكم به كما قال سليمان وفي هذه القصه نزل قول الله عز وجل { } وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين {78} ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلما {79} [الانبياء , 78 , 79 ] .
وعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "الجنه مائه درجه تسعه وتسعون منها لأهل العلم والعقل وواحده لسائر الناس"
قيل لكل شي غايه وحد , والعقل لا غايه له ولا حد , ولكن الناس يتفاوتون فيه تفاوت الازهار في المروج .
وقالوا: المشايخ اشجار الوقار لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم فيها وعليكم بالراء الشيوخ فانهم ان عدموا ذكاء الطبع فقد افادتهم الايام حليه وتجربه .
وقال عامر بن قيس " ان عقلك عما لا يعينك فانت عاقل ويقال:"لا شرف الا شرف العقل ولا غنى الا غنى النفس , وقيل ايضا :يعيش العاقل يعقله حيث كان كما يعيش الاسد بقوته حيث كان . وقبل غضب العاقل على فعله وغضب الجاهل على قوله وقال ابو الدرداء رضي الله عنه تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عوينر ازدد عقلا تزدد من الله قربا " قلت : بابي وامي ومن لي بالعقل ؟ قال " اجتنب محارم الله تعالى وأد فرائض الله تعالى تكن عاقلا , ثم تنتقل ال صالح الاعمال تزدد عقلا في الدنيا , وتزدد من الله قربا وعترا "
وقال بعض اهل المعرفه : حياة النفس بالروح , وحياة الروح بالذكر وحياة القلب بالعقل, وحياة العقل بالعلم .
والعاقل من عقله في ارشاد , والرأيه في امداد , فقوله سديد , وفعله حميد , والجاهل من جهله في اغراء , فقوله سسقيم , وفعله ذميم ولا يكفي في الدلاله على عقل الرجل الاغترار بحسن ملبسه وملاحته سمعته وتسريح لحيته وكثرت صلفته ونظافة بزته وقال الأصمعي: رايت بالبصره شيخا له منظر حسن وعليه ثياب فاخره وحوله حاشيه , وعنده دخل وخرج , فاردت ان اختبر عقله فسلمت عليه وقلت : ما كنيته سيدنا ؟ فقال : ابو عبد الرحمن الرحيم مالك يوم الدين , وقال الاصمعي : فضحكت منه وعلمت قله عقه وكثره جهله , ولم يدفع ذلك عنه غزارة خرجه ودخله , وقد يكون الرجل موسوما بالعقل مرموقا بعين الفضل فيصدر منه حالة تكشف عنه حقيقه حاله وتشهد عليه بقلة عقله واختلاله .
والحمق مذموم . قال الرسول صلى الله عليه وسلم " الاحمق ابغض الخلق الى الله تعالى اذا حرمه اعز الاشياء عليه وهو العقل " ومن قل عقله فهو احمق , واما صفته من حيث الافعال وتدرك نظره في العواقب وثقه بمن لا يعرفه والعجب وكثرة الكلام وسرعه الجواب , وكثرة الالتفات والخلو من العلم , والعجله والخفه والسفه والظلم والغفله والسهو والخلاء , ان استغنى بطر وان افتقر قنط , وان قال افحش , وان سءل بخل وان سأل الح , وان قال لم يحسن , وان قيل له لم يفقه وان ضحك قهقه , وان بكى صرخ , وان اعتبرانا الخلال وجدناها في كثير من الناس فلا يكاد يعرف العاقل من الأحمق قال عيسى عليه السلام " عالجت الابرص والاكمه فأبرأتهما , وعالجت الاحمق فأعياني " والسكوت عن الأحمق جوابه  , ونظر بعض الحكماء الى احمق على حجر فقال : حجر على حجر .
ويحكى ان احمقين اصطحبا في الطريق , فقال احدهما للاخر : تعال نتمنى على الله فان الطريق تقطع بالحديث : فقال احدهما : انا اتمنى قطائع غنم انتفع بلبنها ولحمها وصوفها , وقال الاخر انا اتمنى قطائع ذئاب ارسلها على غنمك حتى لا تدرك منها شيئا , قال : ويحك أهذا من حق الصحبه حرمه العشره , فتصايحا وتخاصما , واشتدت الخصومه بينهم حتى تماسكا بالاطواق ثم تراضيا على ان اول من يطلع عليهما يكون حكما بينهما فطلع عليهما شيخ بحمار عليه زقان من العسل , فحدثاه بحديثهما , فنزل بالزبقين وفتحهما حتى سال العسل على التراب ثم قال : صب دمي الله مثل هاذا العسل ان لم تكونا احمقين . ويقال : فلان ذو حمق واخر عاقل نافر ليس معه من العقل الا ما يوجب حجه الله عليه .
ويقال للابله السليم العقل هو من بقر الجنه لا ينطح ولا يرمح والاحمق المؤذي هو من يقر وسقر والله سبحانه وتعالى اعلم . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع