منطقة على قنبلة موقوتة - يوسف شداد
زادت صفقة تبادل الأسرى بين اسرائيل وحزب الله علامات الاستفهام في المنطقة، وعمقت جروح اسرائيل وأكدت فشلها المتمثل بقرار شن حرب على لبنان في تموز 2006.
فمنطقة الشرق الاوسط اصبحت عنوانا للمآسي والاحزان والصراعات واستعراضات القوة وللمجهول والخطر المحدق بشعوبها.
وبنظرة شمولية لما شهدته المنطقة في السنتين الأخيرتين منذ اندلاع حرب لبنان الثانية وتداعياتها والتطورات الكثيرة في المنطقة، وبتحليل للاحداث وقراءة مستقبلية سنكون امام صورة قاتمة لما قد يحدث في المستقبل القريب.
منطقة كالقنبلة الموقوتة
دعونا نرتب الأوراق...اسرائيل تهدد بتوجيه ضربة عسكرية لايران قبل انتهاء دورة الرئيس الأمريكي بوش اذا استمرت في تخصيب اليورانيوم وزيادة قدرتها النووية وبدأت تستعد لذلك من خلال طلعاتها الجوية وتدريباتها..بالمقابل خرجت طهران بتصريحات لا تقل قوة وهددت بمحو اسرائيل اذا اقدمت على ذلك...حزب الله يتوعد بالانتقام لعماد مغنية احد رموز مقاومته وعقوله المدبرة ويهدد اسرائيل بالحساب المفتوح، واسرائيل تتوعد باغتيال حسن نصر الله وسمير القنطار...وفي خضم ذلك تعتبر التهدئة بين اسرائيل وحماس مجرد تهدئة على قنبلة موقوتة، ما زالت تتكتك في الوقت الذي ما زال فيه الجندي الاسرائيلي جلعاد شليط اسيرا لدى حماس التي تطالب مقابل اعادته بإطلاق سراح اسرى فلسطينيين مختارين بقائمتها، فيصبح الخلاف بين الطرفين لا على العدد انما على هوية الأسرى ما يزيد الوضع تعقيدا بالنسبة للاسرائيليين الذين ينهكون الشعب الفلسطيني بحصار مستمر على غزة منذ اكثر من عام، ويرتفع مع استمراره عدد الشهداء أدى الى انتشار رائحة الموت في المخيمات والفقر المدقع واماتة الشعب الفلسطيني ببطء مع تزايد الاحتمالات لاجتياح غزة.
ومن اعتقد ان المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا بوساطة تركية ستفضي الى لقاء اول بين مسؤولين دبلوماسيين من الطرفين وستفتح الطريق لمفاوضات مباشرة بين الدولتين للسلام الذي سيعتبر نقطة الضؤ الوحيدة في المنطقة في الوقت الراهن، تلقى اجابتين شافيتين كانت الأولى على شكل عدم تصافح اولمرت والأسد خلال الاحتفال المركزي باستقلال الجمهورية الفرنسية بباريس عندما كانت الفرصة مهيأة لمصافحة تاريخية، اما الثانية فكانت بتوقيع الأسد الذي قال في تصريح لوسائل الاعلام ان الإدارة الامريكية الحالية غير قادرة على صنع السلام، واضعا نهاية لكل التوقعات في الفترة القريبة، مؤكدا عدم ثقة سوريا بإسرائيل ورئيس وزرائها الضعيف والادارة الأمريكية التي سترحل قريبا...كل هذه الوضعيات لا تدع مجالا للشك ان البركان قد ينفجر في اية لحظة ما سيحول المنطقة الى محيط من الدماء في لحظة تهور تجر دول المنطقة الى مواجهة مسلحة تقضي على الاخضر واليابس.
اسرائيل مهانة ومهزومة
في اليومين الأخيرين ظهرت اسرائيل امام العالم عبر وسائل الاعلام مهزومة مطأطأة الرأس على الرغم ان هنالك من يعتقد ان حرب لبنان الثانية كانت ضرورية لكونها ابعدت تهديد حزب الله عن شمالي البلاد...فما هي وجهتها اليوم بعد صفقة تبادل الأسرى التاريخية؟..لا يمكن لأحد ان يضمن عدم رد اسرائيل عسكريا في اية جبهة من اجل استعادة "هيمنتها" ورفع معنويات شعبها الذي يشعر مهانا خصوصا بعد التهديد الذي اطلقه مسؤول اسرائيلي رفيع المستوى بتصفية حسن نصر الله وسمير القنطار، وبعدما نشرته صحيفة هآرتس صباح اليوم من تصريحات متهورة بأن اسرائيل قد تضطر لاحتلال نصف لبنان في المواجهة المقبلة ما يدل على الارباك الذي تعيشه اسرائيل..لكن..هل اسرائيل جاهزة حاليا على مستوى داخلي لخوض مغامرة اخرى؟ الاجابة لا حتى لو تحدثت عن استخلاص للعبر من الحرب الاخيرة والاصلاحات في الجيش التي قادها قائد الاركان جابي اشكنازي...لأن مجرد التفكير بذلك يعتبر دربا من دروب الجنون.. فالصحافة الاسرائيلية وصفت رئيس الحكومة ايهود اولمرت بالضعيف الغارق بالتحقيقات ونعتت حكومته بالحمقاء التي دعت اليها تهديد نصر الله وايران وحماس وثلاثتهما في حالة من الشحن العسكري والتعاظم...نعم هذا ما نقرأه بين السطور في صحافة اسرائيل التي لخصت بالأمس السنتين الاخيرتين بالفشل الذي لا حدود له ومن شدة غضب اصحاب الاقلام التي يحسب لها في تل ابيب الف حساب تجرأوا وكتبوا متسائلين..هل من المعقول ان نقف مهانين؟.
لا شك ان بانتظارنا جولة اخرى ويبدو لي انها ستكون جولة مؤلمة جدا على كل الاطراف حتى لو انجز الاسرائيليون وابو مازن وثيقة سلام قبل انتهاء عهد بوش...فعن اي سلام تتحدثون ورائحة الدم تفوح في المنطقة وشبح الحرب يخيم عليها..ان المغزى الاساسي من الحرب الأخيرة الذي يجب ان تطبقه اسرائيل مهما كانت قوتها وقدراتها العسكرية وحجم ذخيرتها هو الحوار والتفاوض ومد اليد للسلام واعادة الحق لاصحابه واتخاذ خطوات استراتيجية كفيلة بتغيير الاوضاع في الشرق الاوسط الذي لم يعد كما كان في عام 1967 ولاسرائيل دور كبير في ذلك بغطرستها وتعنتها واستهتارها بجيرانها على مدار العقود الثلاثة الأخيرة..
كل ذلك يبقى مع بقاء الامل بان يخرج من هذه المنطقة زعماء شجعان من كل اطراف الصراع ليقدموا التنازلات المرجوة مهما كان ثمنها..فالمنطقة امام مفترق طرق خطير للغاية..اما الحرب او التفاوض من اجل السلام.