كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

المسيري.أنموذج للمثقف المنتمي للذات

كل العرب · 17/07/2008 الساعة 07:26

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الشيخان، البخاري ومسلم رضي الله عنهما: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
أستهل بهذا الحديث الشريف رثاء لغياب مفكر كبير، ومصلح معاصر قضى نحبه وانتقل إلى جوار ربه جلَّ وعلا. إنه المفكر المصري المعروف، الدكتور عبد الوهاب المسيري، رحمه الله، والذي وافته المنية يوم الخميس (3/7).
الدكتور المسيري، أنموذج للمثقف المنتمي للذات ولقضايا أمته. إنه أنموذج للمثقف، الذي لا ينتمي بالضرورة إلى إطار سياسي أو فكري حزبي ولكنه مع ذلك أكثر التصاقا بهموم أمته، أو أنه أكثر تأثيرا في مسارها من كثير من المؤدلجين والمسيسين. لا أريد أن أحول هذه السطور إلى سرد لخلفية الدكتور المسيري أو للتعريف به إلا بقدر ما يلزم لتوضيح دوره ومكانته، ففي صفحات هذه الصحيفة في الداخل بعض ما يكفي عن الرجل وإنجازاته وأعماله.
أشتهر الدكتور المسيري رحمه الله بموسوعته القيمة: "اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد". هذه الموسوعة والتي استغرقت من عمر الرجل ربع قرن تقريبا، وجاءت في ثمان مجلدات، تعد من أروع وأبدع ما كتب باللغة العربية في الموضوع. ولا أريد أن أخوض في تفاصيل الموسوعة فهي أكبر من أن تحصر في بضع سطور، ولكن يكفي أن يقال في حقها، إنها كانت إحدى أهم الروافع التي أعانت الفكر العربي والإسلامي المعاصر على فهم جدلية اليهودية/الصهيونية، اليهود/الصهاينة، ضمن سياقاتها العملية والموضوعية والعلمية. فقد أسهمت موسوعة المسيري في تحقيق فهم أعمق وأوسع للمسألة، وتحريرها من دائرة "الخوارقية" و"المؤامراتية" التي سقطت بها الكثير من الحركات الإسلامية والقومية في العقود الماضية وحتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي. هذا لا يعني الاتفاق مع كل ما توصل إليه المسيري، ولكنها دراسة قيمة أعانت الفكر العربي والإسلامي المعاصر على التعاطي مع هذه القضية الخطيرة ضمن فضاءات واقعية وعملية، بعيدة عن الديماغوجية والأحكام المسبقة.
ولأن المسيري نموذج للمثقف المنتمي إلى الذات، فقد قبل بقيادة حركة "كفاية" المصرية منذ مطلع عام 2007. و"كفاية" حركة مصرية شعبية وسلمية، غير حزبية، معارضة لتمديد ولاية مبارك الأب، أو توريث الحكم لمبارك الابن. فانسجاما مع منهجه وفكره، كان المسيري منحازا دائما لقضايا أمته على حساب مصالحه الخاصة. فرجل مثل المسيري لو أراد، لكان أنموذجا لـ"مثقف السلطان" ولكن الرجل آثر أن يكون "مثقف الأمة". ولكن لمثل هذه المواقف الشجاعة والجريئة ثمن كبير. فأهل الجاه والسلطان لا يرضون بمثقف منحاز إلى الجماهير من ضحاياهم. فكان أن أوقف الرجل من قبل الأمن مرات عدة بسبب مساهمته وزوجه بمظاهرات سلمية، وكان أن اختطف وزوجه أيضا، ورموا في الصحراء، رغم أنه في السبعين من عمره. بل إن الرجل الذي أصيب بسرطان الدم، عجز عن تأمين ثمن العلاج، ولم يقبل النظام المصري بتحمل نفقات علاجه، وهو المفكر والمثقف الكبير، الذي تَشٌرُفُ أي دولة بحمله لجنسيتها. فما كان إلا أن بدأت حملة شعبية لإعانته على التداوي، في حين أن مومسات ودهاقنة سكر وعربدة، من بعض من يوسمون ظلما بالفنانين، يعالجون، وهم الأثرياء حتى الثمالة، على حساب شعب مقهور، بقرار من حاكم طاغية. ولولا أن قيض الله للمسيري أميرا سعوديا تحمل تكاليف علاجه، لكان الرجل قد عانى أمرارا فوق مُرِهٌ. وليت الأمر يقف عند هذا الحد، فالرسميون في مصر استنكفوا حتى عن نعي الرجل، وتشييعه والصلاة عليه، في حين تدق طبول الإعلام لكل سَقَطٍ وغثاء. ولعل في عدم حضور "الرسمي" جنازة المسيري تشريفا له، فوق شرفه.
لقد بقي المسيري، رغم شدة المرض وكبر السن، أنموذجا للمثقف الكاد، فمثله يعلم أن الأعمار أقل من أن تغطي الواجبات. ولذلك كنت تجده في مقالات يومية، ومظاهرات مدنية سلمية، وكتب يؤلفها ويعكف على تأليفها، حتى وهو على فراش المرض.
قبل أقل من أسبوعين من وفاته، وصلني منه بريد إلكتروني-وكنت قد إلتقيته من قبل مرتين في الأردن وأمريكا-يعلمني فيه أنه بصدد تحديث "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد". وجاء في بريده: "ومن ثم نريد تحديث الجزء عن الجماعات اليهودية المعادية للصهيونية والشخصيات الهامة، وكذلك الجماعات غير المكترثة بالصهيونية والشخصيات الهامة، وأخيراً الجمعيات اليهودية التي تسمي نفسها صهيونية ومع هذا قادرة على تقديم النقد لإسرائيل والشخصيات الهامة". 
هذا هو المفكر والمثقف الذي فقدته الأمة. ومن أسف فإن فقدان من هو مثله، يدلل على واقع الأمة المرضي. وأعني بذلك، أنه عندما لا تعبأ الأمة كثيرا بمثقفين ومفكرين وسياسيين ومقاومين نذروا أنفسهم للدفاع عنها، فإن هذا دليل عجز وخور وغثائية. أمثال المسيري رحمه الله، نماذج خير وتضحية يقتدى بها، وحَقَّ للأمة لو أرادات استعادة مجد مفقود أن تنجب أمثاله ومن يسير على خطاه. وعلى أي حال، هذا مبلغ علمنا ولا نزكي على الله أحدا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع