حبٌ يسكن القلوب – الجزء 1
كما تدخل رائحة الورود الفؤاد، هكذا دخل الحبُ قلب فاتن، فهي الآن في السنة الأخيرة من الثانوية العامة، لم تشعر كيف سبر هذا الشعور قلبها دونما استئذان، أو أن يهمس بكلمةً، منذ أن رأته لأول مرة، عندما كانت عائدة من المدرسة، وإذ بها تراه في الشارع، كان حينها هو أيضًا عائد من جامعته، خجلت بادئ الأمر أن تُكلمه، أو تقول له شيئًا، وهو كذلك، ظلَّ الشعور تائهًا في القلب، ولكنَّ الأمل بأن ينمو هذا الحب ما زال قائمًا، وكيف لا، وفاتن كلُّ يومٍ تحب الحياة أكثر، تحب الكتاب أكثر، لأجل هذا الحب سوف تُكرس ذاتها، وتعطي كلَّ ما لديها من اجتهادٍ، لأجل أن تنجح، لأجل أن تكون جيدةً في نظره، ستدرس، فالأمل محلقٌ في سماء أحلامها، وهو حتمًا سيظلُّ معها.
سمير أيضًا خالجه عين الشعور، لهذا كان دائمًا يقف، وعند انتهاء الدوام، أمام المدرسة التي تتعلم بها فاتن، وهي وبشوقٍ جارفٍ، كم تتمنّى وكلَّ يومٍ، أن تمر الساعات في المدرسة سريعًا، فتراه، فتصغي لنداء القلب، وتُطمئنُ نفسها، ولكنّها لم تكن تجرؤ على التكلم معه، يكفيها أن تراه، فهي لن تتحدث معه على الملأ ، وأمام الناس، فسيكونان حينها لوحدهما، دون نظرات البشر المحيطة بهما.
في مركز المدينة كانت هنالك مكتبة عامة، يتوافد إليها طلاب المدارس والجامعات لشراء الكتب، أو لاستعارتها، وكانت فاتن تتردد إلى المكتبة أسبوعيا لاستعارة كتاب أو قصة، فقد كانت تحب المطالعة في أوقات فراغها.
في أحد الأيام، عندما ذهبت فاتن إلى المكتبة كعادتها، وإذ بها ترى سمير، نفس الشاب الذي أُعجبت به عندما رأته، نظرات عينيه أوحت لها بذلك، فلغة العيون كانت هي السائدة بينهما، ولكنّها شعرت أنّها يجب أن تتغّلب على حاجز الصمت القائم بينهما، إن هو لم يبادر، حتمًا هي ستبادر وتسأله وتستوضح عنه أمورًا كثيرة كانت تجهلها، بعد أن كان سمير يفتش بين الكتب عن كتاب في الحقوق، وجد ما كان يبحث عنه، وبعدها جلس يقرأ فيه، فتناولت أيضًا فاتن قصة وجلست على نفس الطاولة التي يجلس عليها سمير، فدار حوارٌ بين الاثنين، عرفت فاتن عنه أنّه في السنة الثانية في كليّة الحقوق، وهو كذلك عرف عنها، عن دراستها، شعرت فاتن أنّها بحاجة أن تُطلعه عن نفسها أكثر، فبهذا قد يرتاح قلبها، وهو كذلك،...نعم أخبرها أنَّ طموحه أن يصبح محاميًا، وأيضًا أن ينال الدكتوراه في الحقوق.
لم يكن طموحه وحده فقط، ، بل طموح والديه أيضًا الّلذيْن وحلما طوال كلِّ السنين في أن يحصل ابنهم على شهادة الدكتوراه، فهو وحيدهم. وأخبرته فاتن فيما أخبرته أنّها يتيمة الأب، ولها أختان وأخ صغير، أختها الكبيرة سلمى تعمل معلمة، وهي الوسطى، وإلهام الصغيرة ومنير أخوها ما زالا في المدرسة، فأمها تعيل البيت، فهي تعمل في الخياطة، لتُربي هذه العائلة، وفاتن الآن في السنة الأخيرة من الثانوية، وعليها أن تحرز مجموع جيد يؤهلها إلى أن تدخل كلية الحقوق.
بعد أن تبادلا الحديث، أصبحت تعرف عنه أنّه هادئ المزاج، مفعمٌ بالأمل، وهو كذلك، فقد أُعجب بشخصيتها واتزانها، شعر أنَّ الحياة ابتسمت له، يوم تعرفَ عليها جاس في حنايا إحساسها ، فقد وجدها قريبةً منه، صفاتها، أخلاقها، كلُّ شيءٍ فيها يدّل على ذلك.
بعدها عاد كلٌّ واحد منهما إلى بيته، وهي ترغب أن تعود وتلقاه كلَّ يومٍ، في كل ساعة، في الليل وفي النهار، يا لهذا الشعور الذي يناجي قلبها، أتراهُ الحب، هكذا كانت تظّن أول الأمر، لكن سرعان ما أيقنت أنّه الآن دقَّ قلبها هذا الشعور، وهو الآن سيدرس أكثر وينجح لينال وسامًا في عينيها.
أنهت فاتن الثانوية بمجموع عالٍ، سمير الآن في السنة الثالثة، عامٌ واحدٌ فقط يفصله عن التخرج، في كلِّ مرة تزور فاتن المكتبة، يكون سمير محتفظًا لها بكتاب وضعه عند صاحب المكتبة، وهي تقرأ ما بين السطور، تقرأ الكلمات وتجده بينها، و يومًا فيوما يزداد قلبه خفقانًا، ووجده يغدو أزهى وأبهى.
الآن هي دخلت كلية الحقوق، لتصبح مُحامية في المستقبل، وما زالت تلتقي بسمير في الحديقة العامة، نعم إنّها أحبته، ولا شكَّ أنّه ملَكَ على قلبها وروحها، وهو كذلك لم يعد يستطيع بعد على فراقها، وهي الآن الهواء الذي يتنفسه، الحب الذي يغمر قلبه.
إنّه تخرجَّ من الجامعة، وطرح الموضوع على أهله، فأخبرهم أنّه يحب فاتن، وطلب منهم أن يذهبوا إلى بيتها لطلب يدها، فهي كانت قد قالت له في أخر لقاءٍ إن كان فعلاً مصممٌ على الارتباط بها، فهي لا مانع لديها، فليأتِ بأهله لزيارتهم في بيتها.
لكنْ يبدو أنَّ سمير نسيَ أنَّ عليه أن يسافر إلى باريس لينال الشهادة العليا، فما أن طرح فكرة الزواج على أهله حتّى أبدوا اعتراضًا، فطموحه وحلم والديه أن ينال الدكتوراه من باريس، وها هو الآن يريد أن يترك طموحه يتبخر لأجل فتاة، لن يسمحوا له بذلك، فبعد أن حلموا كلَّ هذه السنوات، ها هو الآن يهدم حلمهم وطموحه من أجل فتاة، وبالأخص أباه الذي أبدى اعتراضًا شديدًا على الموضوع، فوالده لم يستطع أن يحقق هذا الحلم عندما كان شابًا، ويأمل في أن يحققه ابنه، وها إنّه الآن سيُهمل الحلم من أجل فتاة، ولكنَّ سمير كان قد أخبرهم عن مدى حبه لها، وفاتن ليست أية فتاة، رغم محاولاته في إقناعهم، فجميعها باءت بالفشل إزاء موقف والده، "الشهادة أولاً ومن باريس، وبعدها الزواج"، ولكنّه هو لا يستطيع أن يتزوج ويأخذها معه إلى باريس، ومن ثمَّ يكمل الدكتوراه، فأهله رفضوا الأمر كليًا، فالزواج سوف يمنعه من نيل الشهادة، ولا نقاش مع أهلٍ صارمين، لا يشعرون به، لن يستطيع التمرّد بعد عليهم وعدم إطاعتهم، فضغط أبيه والآمال التي تُعلَّقُ عليه تزيده مسؤوليةً وألمًا، ولكن ورغم كل ذالك كيف سيتركها ويبتعد عنها، ومن ناحية أخرى أيهدمُ هذا الحلم الذي انتظره والداه مطولاً، ويكتفي أن يكون محاميًا عاديًا ..صراع مرير وحيرة حيرى ..ماذا يعمل ؟ يا الهي قالها سمير والآهة الحرّى تملأ الهواء.
في احد الأيام أعلم سمير فاتن بأنّه مضطرٌ للسفر، فهو لا يستطيع أن يُملي رغبته ويتجاهل أهله وحلمهم، عندما سمعت أنّه سيرحل كادت أن تفقد صوابها، فبعد أن كان كل شيء يسير على ما يُرام، ها إنّها الآن تعترضها مشكلة، كيف ستعيش بدونه، وهو من أحبته من صميم قلبها، إنّه الآن وبعد أن تعلقت به أكثر، سيرحل ويغيب.
ما اشدَّ حزنها، ضربةٌ قاصمة أصابتها في الصميم ، كلُّ هذه الكلمات التي كتبها لها، والحب الذي حملته له، ها إنّه الآن يذوب كالشمع، وهي ستبقى مع ذكرياتها، والدموع التي أبت أن تُفارق وجهها.