موقفٌ رجوليّ - زهير دعيم
" ابنكم يوسف يسيل الدم من جبينه ، لقد ضَرَبَه المعلم فؤاد فارتطم رأسه بالمقعد".
هذا ما قاله جميل ابن العاشرة وزميل يوسف في الصفّ ، قاله وهو يلهث . ولم يكن في البيت آنذاك إلا الأمّ .
اضطربت ام يوسف كثيرًا ، فماذا عساها أن تفعل وزوجها في العمل ، والاتصال به في مثل هذه الظروف ليس مرغوبًا فيه!!فيوسف ابنهما الوحيد وقد مَنَّ الله به عليهما بعد عشر سنوات من الانتظار.
انه يحبّه كثيرًا ويخاف عليه حتّى من نفسه !.
ماذا أفعل يا الهي ، قالتها ام يوسف والدموع تترقرق في عينيها ...ثمّ ماذا فعل يوسف حتى يلقى هذا العقاب من معلّم معروف ٍأصلاً بالصبر وطول الأناة.
صحيح ان ولدها شقيٌّ بعض الشيء ، وصحيح أنها قد سألت أكثر من مرة الأخصائية النفسيّة في موضوع شيطنته ، فكان الجواب دائمًا : "اتّه الدلال الزائد والحيوية الزائدة " .
لم يطل تفكير الأم وإذا بصغيرها يعود مع آذن المدرسة معصوب الجبين ، فتهبّ لعناقه...." ولدي حبيبي ، سلامتك ، ألف سلامة ".
فيبتسم يوسف ويطمئن امّه قائلاً انّ الجرح بسيط ولا يستحقّ حتى العِصابة ، وان المعلم ما كان ليقصد .
ولم تطمئن الام ، فزوجها عصبيّ المزاج ويحبّ وحيده محبة فائقة.
ولمّا عاد الزوج من العمل ورأى العصابة تلفّ جبين ولده ، انفجر غاضبًا ، وأخذ يشتم المدرسة والمعلمين ويُهدّد ويتوعّد بأنّ هذا المعلم سيلقى جزاءه اليوم قبل الغد..
ورغم ان الزوجة حاولت جاهدةً إن تهدئ من روعه وغضبه ورغم أن يوسف اعترف بانه هو هو المخطئ ، وان الأمر حدث من دون قصد من المعلم ، الا أن الأب أصرّ على مرافقة ابنه الى مركز الشرطة ليقدّم شكوى.
هذه المرّة الأولى التي يجلس فيها يوسف أمام شرطي ، فقد أحسّ بالهيبة تدبّ في أوصاله ، ولكنه رغم كل هذا أجاب على أسئلته بوضوح وفصاحة .
ولم يُصدِّق الوالد ولا الشرطيّ ما يسمعانه ، بأنّ المعلم لم يضربه أبدًا ، وأن هذا الجرح الذي في جبينه ، جاء نتيجة ارتطام رأسه بالمعقد خطأً.
ضحك الشرطي وربتّ على كتفه وكأنه يقول له " عافاك لقد أحسنتَ صُنعًا ".
ولم يجد الوالد بُدًّا من الرجوع بسيارته مع ولده الى البيت ، وهو في حيْرةٍ كبيرة ، أيضحك أم يغضب ؟!! أيضحك ويشمخ وقد أصبح ولده رجلاً يُقدِّر ا لرجال والمواقف والظروف ، أم يغضب على هذا الولد العاقّ ، الذي جعله صغيرًا في عينيّ الشرطي ، وان كان الامر عن غير قصد .
.....عادا الى البيت والصمت يلُفّهما .
عادا وإذا البيت يمتلئ بالناس ، فهذا المدير والمعلمون ومن بينهم المعلم فؤاد ، الذي أسرع وصافح يوسف وأباه ، الذي راح يحكي ضاحكًا حكايته مع الشرطيّ وهذا الشقيّ الصغير.